أن تكون صاحب أكبر شركة تواصل اجتماعي يتبعها أكثر من مليار شخص حول العالم، ثم تُستدعى أمام المحكمة في تهمة التأثير في الرأي العام، لهي أكبر مُعضلة في حال أن الهدف الأساسي لشبكات التواصل التعبير عن الآراء!

وحتى لا تفكر كثيرًا في هذه المقدمة؛ فالإجابة هي «رأس المال»؛ فهو الذي يستطيع الإنفاق والاستثمار لتوجيه الآراء حسب هواه، ورأيه يذهب بنسبة كبيرة جدًّا إلى الحكومات التي تسعى دائمًا إلى كتم الأصوات المعارضة، وتوجيه الرأي العام، بما لا يتعارض مع مصالحها الشخصية التي لا تمت إلى الشعوب بصلة.

استمر الوضع سنوات حتى حجزت الحكومات لنفسها مكانًا مميزًا على تلك الشبكات الاجتماعية، حتى انكشف بعض السر؛ فظهر ما يسمى بـ«اللجان الإلكترونية»، وهي وسيلة رأس المال في التأثير الممنهج في الشعوب، ولعل الحوادث الفردية التي ظهرت في الدول العربية من الاعتقالات من جراء التعبير عن الآراء على منصات التواصل، لهو أكبر دليل على ذلك.

ولعل أكبر دليل على تدخل رأس المال في التأثير في الرأي العام، ما حدث في عام 2016، عندما اخترقت حسابات ما يقارب 50 مليون مستخدم في فترة الانتخابات الأمريكية، إذ حصلوا وقتها على بيانات العملاء من خلال تطبيقات الهاتف، وسربت تلك البيانات لحملة الرئيس الأمريكي ترامب مقابل 16 مليون دولار، عن طريق شركة تسمى «كامبريدج أناليتكا»، والتي تتخصص في جمع بيانات واهتمامات العملاء وتحليلها، ومن ثم بيعها لرأس المال ليستفيد منها.

أما في دولنا العربية فالأمر لا يختلف كثيرًا؛ فبالأمس نشر موقع فيسبوك تقريرًا يفيد بأنه أزال 387 حسابًا وهميًّا وصفحات ومجموعات على فيسبوك، وما يقارب 17 حسابًا على إنستجرام تدار جميعها من دول «الإمارات، والسعودية، ومصر».

وحدد الموقع أنه أزال 259 حسابًا فيسبوكيًّا و102 صفحة، وخمس مجموعات، وأربعة أحداث (إيفنت)، و17 حسابًا على موقع إنستجرام أنشئوا في الإمارات ومصر يعملون على إنتاج محتوى مركز على بلدان الشرق الأوسط، وبعضها في شمال أفريقيا وشرقها.

أنشئت خصيصًا لحشد الرأي العام ضد جهة معينة، أو جماعة، أو تنظيم، أو حتى دول معينة، وأشخاص أيضًا، إذ تطلق هذه الصفحات أخبارًا كاذبة ومضلله، بالإضافة إلى إنفاق مئات آلاف من الدولارات على الإعلانات على تلك المنشورات المضللة.

ومن الموضوعات التي كانت تروج لها تلك الحسابات الوهمية قال موقع فيسبوك نصًّا: «الدعم المزعوم للجماعات الإرهابية من قبل قطر وتركيا- نشاط إيران في اليمن- الصراع في ليبيا- نجاح التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن- استقلال أرض الصومال» هكذا أوضح التقرير! كما أضاف أنه «على الرغم من أن الأشخاص الذين يقفون وراء هذا النشاط حاولوا إخفاء هويتهم، فإن تحقيقنا وجد روابط مع شركتين للتسويق (New Waves) في مصر، و(New wave) في الإمارات العربية المتحدة».

أوضح التقرير أن الشركة الرئيسية التي تدير هذه الحسابات هي نيو ويفز (New Waves)، وتقع في التجمع الخامس بالقاهرة، وتحمل اسم نيو ويف (New Wave) في دبي بالإمارات، وكان الموقع قد أثبت ادعاءه بالصورة والأرقام، إذ أوضح التقرير أن:

عدد 259 حسابًا فيسبوكيًّا – عُطل 200 منها آليًّا- و102 صفحة فيسبوك، و5 مجموعات فيسبوك، و4 أحداث (إيفنت)، و17 حساب في إنستجرام، كما تابع أكثر من 13.7 مليون حساب صفحة أو أكثر من هذه الصفحات، وانضم حوالي 9000 حساب إلى واحد على الأقل من هذه المجموعات، وحوالي 65000 حساب تابعوا حسابًا واحدًا على الأقل من حسابات إنستجرام هذه.

أما عن الأموال التي صرفت على هذه الحسابات، فإن تلك الحسابات قد صرفت أكتر من 167 ألف دولار، دفعوا بالعملة الإماراتية والدولار، متوزعة على 200 حساب وهمي، وأيضًا حوالي 108 آلاف دولار على إعلانات مدفوعة بالعملة السعودية والدولار.

ومن ضمن التحليلات التي أصدرها التقرير أن تلك الحسابات كانت تركز المحتوى الذي تنتجه على دول السودان، وتركيا، وقطر، وإيران، وليبيا، والمغرب، ولبنان، وسوريا، والأردن، وجزر القمر، كما أن بعض الحسابات كانت تصدر بيانات غير موثقة تروج لمحمد بن سلمان وللإمارات والإنجازات الوهمية التي تحدثها في اليمن، وكذلك الحرب على قطر، وتركيا، وإيران.

* الصور المرفقة هي صور عرضها موقع فيسبوك في التقرير الذي نشره.

جدير بالذكر أن موقع فيسبوك العام الماضي قد أوضح أن بعض الحكومات العربية قد طلبت منه معلومات حول المستخدمين، ولكن الموقع رفض وأصدر بيانًا يدين فيه تلك الطلبات والتهديدات التي وصلته من تلك الحكومات.

بعد كل ما سبق، هكذا نرى فشل محاولات توجيه الرأي العام العربي، ولعل رأس المال لم يدرك حتى هذه اللحظة معنى حرية الرأي والتعبير، وأن شبكات التواصل الاجتماعي صنعت من أجل تقريب الشعوب، وتبادل الآراء والثقافات، لا لتوجيهها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد