من المفارقات المثيرة للسخرية هو كيف أن أداة جُعِلتْ للتواصل بين البشر أصبحت سببًا في قلة التواصل بينهم، حتى أصبح مسمى مواقع التواصل الاجتماعي هو اسم على غير مسمى.

لكن الإشكال الحقيقي الذي أحدثه الفيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي هو ما استطاع تغييره في نمط العلاقات الإنسانية بين البشر على الأقل في سياق المجتمع المصري، وسوف نحاول رصد بعض ظواهر هذا التغيير من خلال نموذج إدراكي يعرّف العلمنة (بشكل يهتم فقط بأحد جوانبها المتعلق بهذه الظواهر تحديدًا) على أنها الاهتمام بالإجراءات عن الغايات، حتى لتصبح الإجراءات هي الغايات وربما العكس أيضًا في بعض الأحيان.

العيد في زمن الفيسبوك:

إن أحد غايات حالة العيد في المجتمعات الإنسانية هو التواصل بين الأفراد، حيث يجمتع أفراد الأسرة وربما غيرهم في مكان ما للاحتفال والتواصل الإنساني في محاولة للتغلب على انشغالات الحياة اليومية، وخلقا لمساحة تشارك بين البشر لا تستهدف مصلحة مادية ما.

إن هذه الغاية قد تم ضربها في مقتل في عصر الفيسبوك، فيكفي لأي شخص أن يضع صورة ما تعبر عن العيد ثم يشير (Tag) لأكبر عدد من أصدقائه وأقاربه ومعارفه، وربما حتى الأشخاص الذين لا تربطهم به صلة، لكي يعد ذلك “تعييدًا” عليهم، بل ربما يكتفي بأن يكتب حالة (status) لكي يعبر عن تهانيه وأمنياته ودعواته للجميع بالعيد.

 

حسنًا، إن هذه الطريقة تبدو بالتأكيد أكثر فاعلية، بل إنها الأكثر فاعلية في التاريخ، فأنت لن تستطيع بالتأكيد أن تزور كل هؤلاء الأشخاص، فضلا عن أن تحادثهم بالهاتف، ومن ثم فإنه من الناحية الإجرائية البحتة فإنك تستطيع القيام بمهمة “التعييد” على معارفك – العشرات وربما المئات منهم – بشكل أكثر كفاءة من خلال الفيسبوك وما شابهه من مواقع. ولكن في نهاية الأمر فإنك فعليًا لم تقم بأي تواصل إنساني فعال معهم.

دعوة لفرح صديقك:

العديد منا قد تعرضوا بالتأكيد لهذا الموقف، أن تفاجأ بأن هناك صورًا لفرح صديق لك يتم نشرها على الفيس بوك، فتتساءل متى كان هذا الفرح، فتعلم أنه قد كان منذ مدة وأن صديقك قد دعاك بالفعل، ولكن في دعوة فيسبوكية أنيقة (Event).

أتذكر أنه كان دائمًا هناك بند من بنود الفرح يعرف باسم “الدعوات الشخصية” حيث كان التقليد أن يختار العروسان المقبلان على الفرح شكل الدعوة التي سيتم إرسالها للأشخاص من الأقارب والمعارف والأصدقاء، وربما قبل انتشار فكرة هذه الدعوات فلقد كان هناك دائما مهمة إبلاغ المعارف بموعد الفرح و”عزومتهم” له، بل إنه أحيانا ما كانت تنشأ بعض المشاكل بسبب عدم دعوة فرد بعينه للفرح، فيتم الاكتفاء بدعوة الأب نيابة عن العائلة، فتنشأ المشكلة أن أحد أفراد هذه العائلة (الابن) هو رجل متزوج ولديه منزل مستقل ومن ثم فإنه يفترض أنه يجب أن يتوجه له بدعوة مستقلة.

 

وغير ذلك الكثير من المواقف المشابهة والمختلفة. إن الرابط الأكبر بين هذا كله هو الصلة الإنسانية؛ فأنت قد اهتممت بالفرد بشكل شخصي، حيث ذهبت له بنفسك أو أوصيت أباك أو أمك أو إخوتك بأن يبلغوه شخصيًا بدعوته للفرح، وأحيانا تكون لحظة الإعلان عن موعد الفرح في مكان عمل أو تجمع ما هي لحظة فرح تسبق الفرح ليتلقى المُعلِن (العريس أو العروس) التهاني والدعوات.

لقد انتهى كل هذا. فأنت ترسل لأخيك دعوة مثلها مثل دعوة شخص لا تعرفه سوى من الفيس بوك، بل وقد تصل الدعوة إلى الحسابات الخاصة بشركة أو بمنظمة أو حملة، فالأمر سيان، فأنت فقط تضغط زرًا لتحدد كل “قائمة الأصدقاء” ثم زرًا آخر لترسل الدعوات. يبدو ظاهريًا وإجرائيا أنك لم تنسَ أحدًا، ولكنك فعليا قد نسيت الجميع، لأنك فعليا لم تدعُ أحدًا، بل قام موقع ما بدعوة مجموعة من الحسابات الشخصية لمناسبة إليكترونية ما، وانتهى الأمر.

الحزن الإلكتروني:

من المظاهر النموذجية لهذه الحالة من علمنة العلاقات الإنسانية هي مظاهر الحزن الإلكتروني؛ ففي يوم ما تحدث في إطار معارفك وأهلك حالة وفاة، فتعلن الخبر على الفيس بوك، فتنهال عليك الإعجابات (Likes) والتعليقات (comments) ولا شيء غير ذلك.

ربما يجب في البداية أن نتعرض لمفهوم الإعجاب عند مستخدمي الفيس بوك في مصر، فبالرغم من كون المعنى اللغوي المباشر للكلمة هو السرور بالشيء، إلا أن عملية الإعجاب على الفيس بوك في مصر يبدو أن لها معانيَ أخرى، لأن الناس في مصر يبدو أنهم لا يدركون أن إعجابهم بخبر وفاة شخص ما هو أمر ليس بالتأكيد سارًا لمن نشر الخبر.

الأهم من هذا أنه في إطار ملاحظة ظاهرة الحزن الإلكتروني فإننا نجد أن عملية التضامن النفسي والمشاركة الوجدانية بين الناس في لحظة ضعف كلحظة الموت، قد تحولت إلى مجرد تعليق يحمل مواساة إلكترونية وربما صورة (emotion) حزينة للتاكيد على مدى عمق المواساة!

بالتاكيد سوف يكون هذا أكثر الإجراءات كفاءة، فأنت لن تنسى ولن تتحمل أي مشقة وستلقي بحمل التعازي من على كاهلك، ولكن ترى أين غاية الأمر كله؟ إن جزءًا هامًا من عملية التعازي هو شعور الإنسان بأنه ليس وحيدًا، وجزء آخر متعلق بكيفية بيان مكانة المتوفى في قلوب محبيه ومعارفه عرفانًا بجميله ووفاءً لذكراه. إن كل هذا قد انتهى بفضل التعازي الفيسبوكية والحزن الإلكتروني.

 

النقاشات المحايدة وفتنة الإعجابات:
إن الفضاء الإلكتروني قد استطاع أن يفرض نفسه بقوة في العالم الواقعي نتاج قدرته على التأثير، حيث يمكننا بالتأكيد أن نعتبر مواقع مثل الفيس بوك جزءًا من المجال العام، بل وأحد نماذج التداول في نظريات الديمقراطية التداولية، إلا أنه في المقابل فقد كان لهذا أثره البالغ على كيفية النقاشات وسماتها، فالأمر يتعلق ابتداءً بكيفية نقل وجهة النظر، فبالرغم من كون الإنترنت وسيلة محايدة للغاية في نقل النقاشات إلا أنها ليست طريقة إنسانية بالتأكيد.

 

فما يتم نقله هو مجرد كلمات لا تحمل أي مشاعر أو سمات إنسانية، فهي مجرد كلمات تحمل منطقًا ونسقًا وفقط، أما مشاعر كاتب الكلمات فقد تم حذفها والاستعاضة عنها بمشاعر إلكترونية هي الأخرى ممثلة في صور المشاعر (Emotions)، ولأن البشر ليسوا كائنات منطقية صرفة (إن كانوا كائنات منطقية على الإطلاق!) فإن النقاشات أصبحت أقرب للصراعات، فالكل متحفز والكل يسعى لاكتساب أكبر قدر ممكن من الإعجابات، فأنت لست في إطار مجموعة من البشر يمكنك أن تستقبل ردود فعلهم بغير أن يتكلموا، وإنما أنت دائمًا في انتظار إشارة ما (هي الإعجاب بالتعليق أو بالحالة) لكي تثبت صحة وجهة نظرك وانتصارها على الآخر، هذا فضلا بالتأكيد عن أن كثيرًا من العراك الفيسبوكي كان بإمكانه ألا يحدث مطلقًا إذا كان مصحوبًا بمشاعر إنسانية تؤكد أنه بالرغم من اختلافنا إلا أنني لا أكنّ لك مشاعر سيئة وأنني لم أقصد بهذه الكلمات أي سوء أو إساءة.

هذا ينقلنا إلى مساحة أخرى وهي فتنة الإعجابات. فلقد أصبح الفيس أداة شديدة الكفاءة في حساب مدى شهرة الشخص من عدمه، ومن هنا أتت فتنة الإعجابات، فيكفي الشخص أن ينال كلامه عددًا كبيرًا من الإعجابات لكي يصبح مشهورًا وله قدرة على التأثير ونشر أفكاره، بغض النظر عن مدى إمكان اعتبار كلامه فكرًا من أساسه!

في المقابل نجد أناسًا يملكون من العلم ما يزن كثيرا من مشاهير الفيس بوك إلا أن كلامهم لا يجلب لهم إعجابًا واحدًا أو اثنين. حتى جرأة كل من يملك وسيلة اتصال على الخوض في مسائل شديدة التعقيد والدقة وتحتاج إلى معرفة عميقة بكثير من المجالات، فخاض فيها بيسر وسهولة ملقيا الأحكام النهائية هنا وهناك بل ومشجعًا على نمط الأحكام السطحية والمتسرعة كمنهج للتفكير انتشر كثيرًا في أوساط الفيسبوك.

ماذا حل بنا؟

لقد أصبحنا في عصر الفيس بوك كائنات أكثر سطحية، فعلاقة الشاب والفتاة قد تمحورت حول تغير مسمى علاقة على الفيس (relation)، وأصبح همّ المخطوبين أن ينشروا صورًا لأيديهم بخواتم الخطوبة، وأصبحت العراكات تحدث بين المرتبطين بسبب إعجاب على صورة لفتاة أو تعليق عند شاب.

لقد تقلصت أساليب معرفتنا بالأشخاص على مدى ما يكتبونه على الفيس أو يذكرونه من معلومات عنهم في حساباتهم الشخصية، حتى انتشرت ألعاب مثل الزجاجة (The Bottle) كمحاولة فجة لمعرفة الآخر من خلال أسئلة مباشرة ساذجة وسطحية، بعد أن كان معرفة الآخر تأتي من خلال التعامل والخبرة المشتركة، أصبحنا في حاجة إلى أسئلة مباشرة مثلما تفعل الآلات كي تجلب بعضًا من المعلومات التي تعجز عن معرفتها بدون هذه الأسئلة.

لقد اخترقت هذه الفضاءات الإلكترونية حياتنا حتى بتنا نجلس وحيدين في ظل رفقة من البشر كل منهم ممسك بهاتفه الذكي لكي يدخل على الفيس بوك وغيره، وبدلا من أن يتواصل مع أقرانه في هذا اللقاء العائلي أو هذا التجمع الإنساني، أصبح يتواصل مع الفيس بوك والإنترنت. أين ذهبت خصوصيتنا حيث أفكارنا لا يعرفها سوانا؟

والآن باتت كل خاطرة منشورة وكل موقف مسجلًا وكل مشهد مصورًا، وكل هذا على الملأ والعلن، فلم نعد ننتمي لذواتنا وإنما ننتمي لعالم افتراضي يدخل في أعماق وعينا ومشاعرنا ويحثنا في كل لحظة على المزيد من النشر وإخراج مكنوننا إلى الخارج وإلى العلن، حتى صرنا كائنات أحادية، مرسومة، ومعلبة.

“What I hope most of all is that you understand what I mean when I tell you that, even though I do not know you, and even though I may never meet you, laugh with you, cry with you, or kiss you, I love you, with all my heart, I love you “
– فاليري، من فيلم “V For Vendetta”

 

والله تعالى أعلى وأعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد