تبدأ وقائع القضية بأن النائب بالبرلمان المصري جمال عبد الناصر تقدم ببيان عاجل حول استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، مطالبًا بوضع ضوابط على ذلك الاستخدام، تم مناقشة البيان في الجلسة العامة أثناء مناقشة محور الأمن القومي ببرنامج الحكومة مطالبًا وزارة الداخلية بالعمل على ضبط استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، يعلن النائب أن دوافعه حول هذا المطلب هو وجود صفحات تقوم بالتحريض على العنف والإرهاب وابتزاز المواطنين، مؤكدًا أن المقترح لم يتضمن إلغاء تلك المواقع الإلكترونية بل ضبط وتقنين عملها بحيث يمكن متابعة أي حساب ينشر عليه منشورات تحريضية أو معلومات تمس الأمن القومي وتتبعها ومحاسبة القائمين عليها[1].

امتد النقاش ليدخل على خط القضية المطروحة نواب مؤيدون للقانون وآخرون معارضون له، أبرز المؤيدين النائب مصطفى بكري الذي اعتبر الضوابط ضمن قوانين التشريعات الإعلامية، وإنها من أعمال اللجنة المكلفة بمناقشة محور الأمن القومي ببرنامج الحكومة[2]، دخل على الخط مجموعةٌ من النواب أبرزهم النائب جمال عقبى والذي طالب بإلغاء موقع الفيس بوك، والنواب عزمي مجاهد وعمرو محمد وشادية ثابت ومحمد خليفة وأحمد زيدان الذين طالبوا بمراقبة تلك المواقع الإلكترونية.

بينما وقف بعض النواب في المنتصف لم يصرحوا علانية بالرفض، ولكن ظهروا في صورة الرافضين، أبرز هؤلاء النائبان خالد يوسف وهيثم الحريري، فالأول طالب بقانون لحرية تداول المعلومات باعتباره أولوية أهم من فرض قوانين أخرى[3]، وجاء الثاني بأن القانون فكرة ومجرد تصريحات وأنه لا يوجد في جدول أعمال البرلمان قانون بذلك[4].

يأتي نواب آخرون لا تعرف كيفية وصف موقفهم مثل النائب جون طلعت الذي صرح بأنه لا يوجد قانون بذلك، وإن وجد فلن يناقش في هذه الدورة لازدحامها بقوانين كثيرة[5]، نفس الموقف مع النائب أسامة شرشر[6]، أيضًا النائب أحمد بدوي الذي أكد على رفض العديد من النواب فكرة إلغاء تلك المواقع ولكن طالب بوضع ضوابط على الحسابات الموجودة على تلك الشبكات[7]، نفس الموقف ينطبق على النائب كمال أحمد[8] –الذي تم رفض استقالته– مضيفًا يجب وضع عقوبات واضحة.

ولكن ماذا يعني ما سبق؟

مبدئيًّا تعمد ذكر أسماء النواب وتوضيح مواقفهم أمر في غاية الأهمية ليس فقط من أجل التحليل والتأريخ حيث سيأتي يوم سيحاسب فيه الجميع، ولكن أيضًا من أجل إبراز مدى إحساس النواب بضالتهم وبشعورهم بأنهم مجرد عرائس في يد السلطة التنفيذية، فالبرلمان الذي من المفترض أن يكون دوره مراقبة السلطات العامة وتشريع القوانين لتنظيم شئون المجتمع تحول إلى ذراع جديدة للنظام الحاكم للبطش بالمواطنين عامة والنشطاء خاصة، فالجميع يعلم مدى أهمية تلك الشبكات في التواصل مع العالم الخارجي وإبراز حجم الانتهاكات التي يرتكبها النظام المصري ضد معارضيه أو منتقديه، إن المتابع لعدد القضايا التي شكلت رأى عام مثل قضية إسراء الطويل والناشط الحقوقي حسام بهجت والإضرابات المتتالية للسجناء عن الطعام، وأخيرًا قضية الطالب الإيطالي أبرزت مدى أهمية تلك الشبكات.

إذن يمكننا الإجابة الآن، يغفل البعض أو يتجاهل عن قصد مدى خطورة الموقف، فالنواب المؤيدون للتقييد على استخدام شبكات التواصل الاجتماعي صوتهم عالٍ، وتم فتح وسائل الإعلام لهم فيما يعرف بتهيئة الرأي العام للقبول بالقضية، بينما على النقيض النواب الرافضون لفكرة القانون جاؤوا على استحياء وبحثوا عن مبررات ودوافع ليس من بينها رفض القانون شكلًا وموضوعًا، مما يترتب عليه التأكيد على هشاشة التسويق الديمقراطي لنظام ما بعد 3 يوليو 2013 الذي يؤكد دائمًا على أن مواجهة الإرهاب هي الأولوية الرئيسية له، وأنها قاصرة على التيارات الدينية المتطرفة دون التيارات المدنية تلك المؤمنة بالعمل السلمي، وهو ما يتطلب إبراز نقطتين في غاية الأهمية.

النقطة الأولى وهي الالتفاف حول تمرير فكرة القانون وهو ما يعني أن الموقف المتخذ من أجل إقرار القانون مستحدث، وجاء دون ترتيب من الأجهزة الأمنية[9]، لنسير فيما ذهبوا إليه بأن القانون ضمن حزمة التشريعات الإعلامية والتي لنقابة الصحفيين دورًا مهمًا في أعدادها، للأسف أو تستطيع القول باعتبارها محاولة للنظام بمقايضة النقابة مقابل حزمة التشريعات المطالبة بحرية الصحافة التخلي عن المواقع الإلكترونية ونشطاء شبكات التواصل الاجتماعي.

النقطة الثانية أن اللجنة التي أعدت التشريعات الإعلامية لم تتضمن مثل هذا القانون الذي يهدف للسيطرة على آخر مجال للنشطاء، أضف إلى ذلك أن اللجنة التي أعدت هذه التشريعات يرأسها الصحفي خالد البلشي المقبوض عليه الآن بتهمة قلب نظام الحكم وإهانة الدولة وجهاز الشرطة، هو نفسه يدير موقع إلكتروني وبالتالي ليس من المتوقع بأن يتقدم بقانون يضع قوانين تكبل حرية الصحافة وخاصة شبكات التواصل الاجتماعي، ولكنها مقايضة من النظام هذا مقابل ذلك.

الأهداف الحقيقية وراء المقترح

المعروف أن أولى القوانين التي فكر فيها البرلمان المصري بعد انعقاد البرلمان بأيام قليلة مشروع قانون حول جرائم الإنترنت تبين الآن إلى أنه يهدف السيطرة على شبكات التواصل الاجتماعي، فقد نشر موقع اليوم السابع المعروف بقربه من أجهزة[10] بتاريخ 17 يناير 2016 مشروع قانون منسوب لجهات أمنية، يهدف إلى تنظيم استخدام الإنترنت وصلت فيه الأحكام إلى فرض عقوبات بالسجن المؤبد والغرامات من 3 إلى 5 مليون جنيه، أعد هذا المقترح رجال الإدارة العامّة لمباحث التوثيق والمعلومات بوزارة الداخلية ووزارة الاتصالات وقانونيين حسب ذكر موقع الجريدة.

تهدف هذه الحالة إلى

  • تأميم المجال العام ليس فقط بالاعتقال وتشويه السمعة ولكن بغلق قنوات التعبير بعدما تم السيطرة على وسائل الإعلام التقليدية مثل القنوات الفضائية والصحف، آخر هذه القنوات هي شبكات التواصل الاجتماعي لما يعتبر تجمع للفاعلين فيه على كافة المستويات والشرائح والخلفيات المتعددة.
  • شعور النظام بهشاشة الشعبية التي اكتسبها بعد عزل د. مرسي من الحكم، وخاصة الإقبال الضعيف من الناخبين على انتخابات البرلمان مما اعتبر ضربة سياسية للنظام ومؤسساته الدستورية وعلى رأسها البرلمان المصري الذي تحول لذراع جديدة للسيطرة على الدولة والمجال العام، وهو الأمر المتوقع لما شاهدته المعطيات قبل الانتخابات البرلمانية.
  • انتهاء ما عرف بجبهة 30 يونيو التي تكونت للإطاحة بنظام د. مرسي المعزول، حيث انفرد بالسلطة والقرار سلطة واحدة كل مستشاريها أجهزة أمنية متعددة وذات مهام مختلفة، يرجع ذلك لشخصية الرئيس الذي ينتمي لمؤسسة أمنية.
  • ضعف القدرة لدى الإصلاحيين داخل نظام 30 يونيو لتصحيح المسار السياسي نحو مزيد من العمل لتحقيق التحول الديمقراطي الآمن في مصر، بالرغم من استجابة النظام في بعض القضايا للضغط الجماهيري والشعبي لكنها جميعًا قادمة من حملات التي تنشأ في شبكات التواصل الاجتماعي.
  • فقدان شعارات العدالة الاجتماعية والتخفيف عن الطبقات الفقيرة والمتوسطة من مضمونها، وأن مشاريع القوانين التي تعمل لذلك مؤجلة، بعدما توالت النكسات الاقتصادية الواحدة تلو الأخرى ومدى عدم جدوى المشاريع الاقتصادية التي وصفت بالقومية.
  • عجز النظام السياسي في مواجهة مؤسسة الفساد والتي تجمع شبكات كبيرة من رجال الأعمال وسياسيين سابقين وحاليين وقانونيين، بل تعامل النظام معهم متعاونًا على أمل دمجهم وتنازلهم عن بعض المكاسب من أجل البقاء والاستمرار، ولكنهم رفضوا كل الحلول المقدمة.
  • انتهاء حالة التوازن السياسي وبدء مرحلة السيطرة الكاملة على المجال العام على اعتبار أن ما حدث في ثورة 25 يناير أخطاء في قمعها وليست ثورة لها مطالب يمكن تحقيقها، بما يعني حالة الإفلاس السياسي بغياب مشروع يجمع فريق 30 يونيو لتصحيح ما أفسده نظام مبارك على أساس أن المشكلة محصورة في أخطاء الرئيس المخلوع وفقط متجاهلين مدى بشاعة البنية القائمة لنظام يوليو 1952.
  • مشروعات القوانين المذكورة في دستور 2014، وعلى رأسها قوانين الحريات العامة ومكافحة الفساد والعدالة الاجتماعية مؤجلة لأجل غير مسمى، نستطيع القول بعد مرور ثلاثة أشهر أن مشروعات القوانين التي يتطلبها الدستور كانت ضمن الخطة الدعائية فبجانب تصريح السيسي بأن الدول لا تقام بالنوايا الحسنة، ونموذج هذا المشروع تتضح نية النظام في الفترة القادمة.
  • فقدان البرلمان المصري آلياته ودوره المطلوب باعتباره محاولة الإصلاحيين الأخيرة الشرعية لتضمين أجندة تحمى الطبقات الفقيرة باعتبارها الضرورة الشرعية لبقاء النظام، مما يترتب عليه مزيد من الأزمات أو مشروعات القوانين على غرار ذلك المشروع.

[1].موقع جريدة الشروق المصرية

[2].موقع مجلة كلمتي

[3].تصريحات النائب على قناة الحياة الفضائية

[4].موقع اليوم السابع

[5].موقع برلماني التابع لموقع اليوم السابع

[6].موقع دوت مصر

[7].نفس المصدر السابق.

[8].موقع جريدة الدستور

[9]. انظر لمقال سابق حول دور الأجهزة في إدارة البرلمان بعنوان «سيناريوهات حالة سيولة البرلمان المصري» على هذا اللينك

[10].موقع اليوم السابع 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد