أول من تحدث عن الحيل النفسية اللاشعورية كانت (Anna Freud) في كتابها (Ego and the Mechanisms of Defense) وتهتم الحيل اللاشعورية بتخفيف حالات التوتر والقلق. فالفرد عندما لا يستطيع التعامل مع مشاكله بصراحة يلجأ إلى الحيل اللاشعورية لاسترجاع الاتزان النفسي المطلوب للحياة السوية. والحيل اللاشعورية تشترك جميعًا في أنها تكون:

1- لا شعورية حيث لا يدرك الشخص أنه يقوم بها.
22- تشوه الواقع وتزيفه.

فالحيل اللاشعورية تقلل من الشعور بالإثم وتجعل الشخص يبرر دوافعه بطريقة تساعد على تقليل القلق وأيضًا وضع العوائق أمام بعض التصرفات غير السوية وتعد الحيل اللاشعورية شيئًا طبيعيًا ولكن الإسراف في استخدامها يؤثر على الشخص وقدرته على التعامل مع الواقع كما هو كما أنها تكون خطرة عندما تعمي الفرد عن عيوبه الحقيقية.

أصبح الفيسبوك ذلك العالم الافتراضي يأخذ مكان عالمنا الواقعي بشكل كبير والمشكلة أنك تجد أن كثيرًا من الناس مختلفون تمامًا في شخصياتهم على موقع التواصل الاجتماعي عن حياتهم الواقعية العادية، فتشعر أن الشخص يشطر نفسه إلى نصفين بحيث يصبح نصفٌ منهم يتعامل في الواقع الافتراضي والنصف الآخر يعيش به الشخص في العالم الواقعي!

والفيسبوك يتيح للإنسان إخراج كل الكبت المحبوس بداخله بحرية وبدون رقابة فالشخص المكبوت وفي حياته العادية والمستلب اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا يستطيع أن يغير كل ذلك في حياته الافتراضية فيستطيع أن يخلق أناه التي يحلم بها عن طريق الفيسبوك فيغير اسمه، سنه، بلده، جنسه، دينه أو أي شيء يريد يستطيع الشخص الجبان أن يصبح شجاعًا والمتدين أن يصبح فاسقًا ويستطيع أن يصبح كل شخص ما يريد.

وفي وطننا العربي خاصة نظرًا لما يشعر به المواطن من استلاب على كافة المستويات يمثل الفيسبوك فرصة ذهبية لابد من اقتناصها لتعويض كافة أشكال القهر والتحقير الممارسة عليه في حياته اليومية من كافة المؤسسات. الشخص يكذب على نفسه حتى يستطيع أن يكمل حياته البائسة ويحاول أن ينكس رأسه في الزيف هربًا من واقعه الأسود.

يقول الدكتور مصطفى حجازي في سيكولوجية الإنسان المقهور: (يصبح الكذب جزءًا أساسيًا من نسيج الوجود المتخلف، على مختلف الصعد وفي كل الظروف. الكذب بين المتسلط والإنسان المقهور يعمم على كل العلاقات: كذب في الحب والزواج، كذب في الصداقة، كذب في ادعاء القيم السامية، كذب في ادعاء الرجولة، كذب في المعرفة، كذب في الإيمان، كما يكذب المسئول على المواطن، وكما يكذب رجل الشرطة حين يدعي الحفاظ على القيم والأخلاق والنظام، وكما يكذب الموظف على صاحب الحاجة، وكما يكذب التاجر على المشتري. فمعظم العلاقات زائفة، معظم الحوار تضليل وخداع).

ويقول الدكتور مصطفى حجازي أيضًا: (ينتج عن اختلال التوازن الوجودي وانعدام تحقيق الذات، حالة مفرطة من التوتر والقلق وانعدام الاعتبار الذاتي. وتبرز الحاجة ماسة إلى حلول لمجابهة هذه الوضعية المأزقية، حلول تعيد بعض التوازن وتؤمن بعض الكبرياء وتجعل الوجود محتملًا ومبررًا).

(يمكن أن نقسم الحلول إلى فئتين أساسيتين: الفئة الأولى والأكثر فاعلية هي محاولات تغيير الوضعية المأزقية من خلال قلب المعادلة المفروضة على الإنسان المقهور. أي محاولات تغيير الأوضاع الخارجية بشكل يتلاءم مع الحاجات الحيوية والأهداف الوجودية وتحقيق الذات. إن هذه الحلول هي الأضمن على المدى البعيد، وهي وحدها التي تكفل إعادة الاعتبار إلى إنسانية الإنسان المقهور. ولكنها ليست ممكنة دومًا، منذ بداية علاقة القهر والرضوخ. ولذلك تسبقها من حيث التسلسل التاريخي فئة الحلول الدفاعية. وهي على عكس السابقة لا تحاول التغيير ولا تقوى عليه، بل تهدف إلى التأقلم والتلاؤم مع الوضعية الراهنة بشكل يخفف من وطأتها ولكن هذه الحلول الدفاعية وبما تتصف به من سلبية وفتور أساسًا، لا تلبي الحاجات الحيوية على المدى الطويل، ولذا فهي ملغومة من الداخل، من خلال قصورها عن التغيير. ولابد أن يعود التوتر إلى الارتفاع والتوازن إلى الاختلال).

(إن العديد من ممارسات الإنسان المتخلف وتوجهاته ونظرته إلى ذاته وإلى وجوده، والتي تبدو ظاهريًا عناصر لا رابط بينها، هي في الحقيقة نماذج من الدفاعات والحلول التي يجابه بها وضعيته المأزقية. وهي تلتصق بكيانه إلى درجة تأخذ معها طابع أسلوب الوجود المتميز باستقرار نفسي).

عندما تدخل إلى هذا العالم الافتراضي فأنت تتعامل مع أشباح أشخاص، طحنهم القهر والفقر والجهل لذا لا تأخذ كل شيء على محمل الجد. واعلم أنك تُعالج بشكل ما وسط آلاف المرضى من المقهورين أمثالك. وربما الأفضل التنفيس عن الكبت والغضب في عالم افتراضي بدلًا من التنفيس عنه في الواقع. ربما هذا هو السجن الذي يمنعنا من التغيير وهذا أيضًا هو مصحتنا العلاجية التي لا نستطيع الاستغناء عنها أبدًا. لذا لا تحزن عندما يتم استغلالك أو الكذب عليك. لا تحزن عندما يتم التلاعب بمشاعرك، لا تحزن عندما تكتشف مدى الزيف. فاعلم أن الشخص الذي أمامك هو مثلك يبحث عن وسيلة حتى يستطيع الحياة في هذا الواقع المرير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ملف كامل عن الحيل الدفاعية
كتاب سيكولوجية الإنسان المقهور
عرض التعليقات
تحميل المزيد