ثمة “لغة جديدة” قد شقت طريقها للعالمية، فكما أن للعيون لغة وللجسد لغة وأن الألسنة تنطق بعدة لغات، كذلك تسجيل الإعجاب أو(اللايك)؛ أصبح هو الآخر يعبر عن لغة!

تختلف تلك اللغة من لهجة إلى أخرى؛ بحسب المناطق التي تُفتعل بها، وبحسب ترجمة (المُتليك) و(المُتليك له) لمعنى اللايك، ويتوقف هذا المعنى على التوقيت الذي يُسجل فيه “المُتليك” إعجابه، وكذا نوعية الكلمات التي يحتويها المنشور (محل اللايك).

وفيما يلي نستعرض أهم المناطق التي تنفرد بلهجات خاصة من لغة “اللايكات” وشرح آلياتها.

اللايكات عند جمهور العشاق

تعتبر اللايكات عند العشاق من أروع وأرق اللهجات التي عرفتها “أسطورة الفيس بوك”، وخصوصًا عندما تكون قصة العشق في بداية مهدها!

فتجد ذلك العاشق “المُترقب” ينتظر منشورات تلك الفاتنة؛ ليُسارع ويقتنص “أول” لايك! ليُثبت حضوره، بأنه مُتابع ومُترقب لكل جديد تفعله فاتنته الفيسبوكية.

وبصرف النظر عن مضمون المنشور، ومدى “معيارية اتفاق العاشق” مع محتواه؛ إلا أن وجود اللايك يُثبت “جدية عشقه”! على النحو القائل (حبيبك يبلعلك الزلط). وأحيانًا يتأتى اللايك بين العشاق من باب القلق.

فقد تعود العاشق محادثة معشوقته في وقت مُتأخر كل ليلة وقد تأخرت المعشوقة في هذا اليوم بإرسال “رسالتها المعتادة” لأسباب “تقنية” ضرورية، ولاسيما لتعلن عن أسلحتها الفتاكة (الدلال، والثبات قليلاً) على سبيل المثال لا الحصر! فيغزو القلق صدر المسكين ويسجل سيلًا من اللايكات؛ ليقول لها عبر “الموجات اللايكاتية”: (أنا أنتظر رسالتك ككل مساء).

وهناك نوع آخر من اللايكات بين معشر العشاق، وهو الخاص بتسجيل اللايك على (الأغنية الرومانسية) التي يشاركها أحد العشاق؛ ليتفهم الطرف الآخر أنه المقصود والمعني بتلك الكلمات المعزوفة على نيران الأشواق.

وسرعان ما يتبدل الحال عندما (يتصارح طرفا معادلة العشق)، ويُفضي كل طرف بما في قلبه للطرف الآخر، فيقضيان أول ليالي العشق، في قصص المعاناة التي تكبدها كلاهما في سهر الليالي، وسيول الأحاسيس، وعندما يتشبع الطرفان بكل المشاعر وتنتهي كل عبارات العشق “المراهقي”، تبدأ مرحلة الكساد الشعوري والملل، ومن ثم تبدأ غارات التوتر في الزحف على الخريطة العشقية، ريثما تبدأ مرحلة حروب اللايكات.

اللايكات عند جمهور المُتعاتبين والمُنفصلين

تبدأ المعشوقة في مبادرة الطعن؛ لتحتفل بأول منشور لها في الهجر والبعد والخيانة والقسوة والألم وتصلب المشاعر، ليُقابل العاشق تلك المشاعر بالتجاهل. لكنه لا يتوانى لحظة في زيارة صفحتها؛ ليراقب! وعندما تجد المعشوقة أنه لا فائدة من منشورات الآهات، تبادره بطعنة مسمومة جديدة حيث تُرسل لايكًا مغموسًا “بالسم الزعاف”، مفاده (يا هذا! أنا هنا أتألم).

اللايكات عند جمهور الغيورين

تكثر تلك النوعية من اللهجات عندما يكون أحد طرفي المعادلة العشقية صاحب “فكر غيوري جداً”؛ لذا تجده يُفسح مساحات وقتية شاسعة؛ ليُتابع حركة الأنشطة الخاصة بمحبوبه! فما إن وجد تعليقًا فيه شيء من “الود الزائد” لدى صديق آخر؛ سارع لتسجيل لايك على هذا التعليق؛ ليقول لمحبوبه: (اثبت! مكانك، لقد ضبطت خيانتك).

اللايكات عند جمهور المُسفين

وبالتطرق لهذه اللهجة، وجب علينا أن “ندق التحية فأمامنا (سورية، مصرية، فلسطينية، خليجية)” على حد زعمهن!

ليلاقي هذا المنشور (دق التحية أمامك… إلخ) مئات اللايكات، ولازلت أحاول البحث عن سر الإعجاب بتلك العبارات!

ولنا اتجاه آخر في جمهورية “الإسفاف”؛ حيث المنشورات التفصيلية لحياة صاحبة الصفحة على النحوالتالي:

تنشر إحداهن معاناتها (الصلبة) إثر إجراء عملية جراحية في إصبعها الصغير؛ لطلائه “بمادة المونيكير”!

والعجيب والمدهش توافد مئات المُعذبين – من أشباه الرجال – لتسجيل تهنئتهم الحارة باللايكات والتعليقات، مُهللين بنجاح العملية ومُطالبين بالصور التي توثق الحدث!

ولنا أيضًا في من تروي مأساتها عندما أكلت “قطعة الشيكولاتة” وكم هي نادمة على فعلتها! فقد اخترقت “برنامج الدايت”!

ولن أستطيع أن أتغافل عمّن تستأذن بفاصل قصير، لأنها مضطرة للدخول إلى بيت الراحة لبعض الوقت! ثم ستستأنف سهرتها مع الجمهور.

اللايكات عند جمهور العارضات

وفي اعتقادي الشخصي أن الوقت الذي يُهدر في تسجيل اللايكات وكتابة التعليقات على صور “فاتنات الفيس بوك” كان كفيلاً بأن تُفرد فيه وتُحل عشرات القضايا المستعصية!

فتجد بعض الصفحات النسائية لا تقل ضراوة عن “ساحات عارضات الأزياء”، ولا مانع من إضافة معانٍ “مُستشرقة” كمصطلح (السيلفي)، الذي يُحلِل أن تمتد “شفاة الفتيات” لبعض السنتيمترات إلى الأمام، مصحوبة باعوجاج في نظرات العيون؛ لتعلن عن (شكل آخر) لمفهوم الجمال!

وتلك النماذج تحظى بقبول “لايكاتي” لا مثيل له، ربما لم تحظه صورة لطفلة تتغطى “بالبرد” لكي تحتمي من “البرد” في إحدى شوارع العاصمة، في ليلة قارسة البرودة!

وناهيك عن التعليقات التي تشع حرارة، تكفي لطهي “وجبة إوَزّ مُسن” في أجواء شتاء قارس الصقيع!

ليهل الساجع والضائع والمُبتذل بتعليقاتهم المُقززة، التي تتطرق لتفاصيل ومفاتن جمالها علانية أمام جمهور القُراء.

اللايكات عند جمهور النساء

واختص جمهور النساء تحديدًا بتلك اللهجة لأنهن وحدهن القادرات على توظيف اللايكات في المكان الصحيح، ولاسيما في حروب (التلقيح الكلامي).

(التلقيح الكلامي): مُصطلح دارج كلنا يعرف مفاده، يدل على أن هناك وصلات من “الحروب” قد بدأت، لكن دون الاشتباك بالأيدي، فهو نوع مُبتكر “لمحاولة التنفيس واستعراض فنون الكيد والغيظ”، وأحيانًا تجد هذه اللهجات عند جمهور (أشباه الرجال) أيضًا.

وعادة يبدأ المنشور أو ينتهي بكلمة (مقصودة) مع إضافة “الهاشتاج” الذي يُضفي صبغة جمالية على عبارات (الردح)!

اللايكات عند جمهور المُتجاهلين

أحيانًا يصادفنا بعض الرسائل التي لا نود الرد عليها، ليس لسوء صاحبها، لكن ربما “المزاجية” لا تسمح أو لأننا بحاجة لمساحة من الوقت بعيدًا عن الثرثرة، وربما لمحاولة الاستمتاع بقليل من الهدوء النسبي في التصفح دون أي إزعاج.

لكن (الآخر) غالبًا ما يعتقد في السوء، وتبدأ تحليلاته مُهلهلة النية، فيتخيل أن “المُرسَل له” يحاول أن يتجاهله، أو يقلل من شأنه!

لذا يسارع في البحث عن آخر منشور أو تعليق “للمُرسل له” ويسجل عليه (اللايك)؛ ليرسل رسالة أخرى “مُهندمة” بالإشارة، دون الاستعانة بالحروف مفادها (لقد تفهمت تجاهلك).

إنها الحساسية المُفرطة التي تتملك من البعض، فكم تمنيت أن يتفهم “الآخر”.

إنه ليس إلزامًا علينا، أن نرد على الرسائل في نفس التوقيت الذي أُرسلت فيه، فمهما كانت “قواعد الذوق عالية”؛ فهي لن تعلو على “قواعد المزاجية والحالة النفسية”!

اللايكات عند جمهور المصالح

أحدهم يُعلق “لايكاته” على لايكات الآخر، بمعنى “أذقني طعم لايكاتك” وأبشر بالرد! وإن لم تفعل؛ “طال عمرك” سأعتبرك كالمقعد القديم في منزلي، وربما يصل الأمر إلى حد الحذف!

فتجده يقول في أحد منشوراته: “أنا مُضطر أن أحذف من لا يتفاعل مع منشوراتي ولا يسجل لايكات”. وبالفعل يفعل!

اللايكات عند جمهور اللصوص

يستخدم هذا النوع من اللهجات عندما يقوم أحدهم بسرقة منشور من صديق له، ونشره بكل بجاحة وربما ينسبه لنفسه! ليأتي رد “الطرف الواقع عليه أذى السرقة” مُتحليًا بقواعد الذوق؛ عبر تسجيل لايك على “المنشور محل النزاع”؛ ليُخبر “الصديق اللص” بأنه قد أمسك به في وضعية السارق.

اللايكات عند جمهور الضيف والمستضيف

لهجة خاصة ينفرد بها أصحاب الذوق المتزايدة حدته، حيث يتبع صاحب الصفحة أسلوب الترحيب بالضيوف وتشجيعهم المستمر بالتعليق على منشوراته عن طريق تسجيل “لايك” لكل تعليق!

لكن إذا كان التعليق لا يحتوي على الإطراء والمديح المُنتظر ويطوي بعض الانتقادات، حينها فقط يتناسى المُستضيف أصول الضيافة ويمتنع عن تسجيل اللايك؛ ويستقل أول حافلة متجهة إلى بنها!

(عزيزي القاريء، تأكد أنك إذا لم تُسجل إعجابك بما كتبتُه أنا أعلاه، فهذا يعني أنك بالتأكيد واحد من هؤلاء الذين سلطت الضوء عليهم).

(أما إذا سجلت إعجابك ومشاركتك، فأنت سليم معافى من تلك الوصمات).

السطور القليلة أعلاه هي نموذج من المحاولات العديدة لاستفزاز القارئ؛ لكي يُحاول أن ينتفض – على الأقل أمام نفسه – ويسجل اللايك؛ ليُسقط عن كاهله تلك السلوكيات المُخجلة.

وهو نفس الأسلوب الذي تنتهجه بعض الصفحات لممارسة “التسول والشحاذة اللايكاتية” وانتزاعها بسيف الحياء من جمهور القُراء!

وياليت الأمر يتوقف عند تلك الصيغة غير المباشرة المتوارية فحسب، إنما يصل الأمر للتسول عن طريق تسخير العبارات الدينية؛ لتحول بينك وبين الامتناع عن تسجيل اللايك.

فمئات الصفحات تستخدم عبارات (لو بتحب رسولك اضغط لايك)! وكأن معيارية حبي لله وللرسول سوف تتوقف على هذا اللايك، وبدونه سوف أقع في براثن الكفر والإلحاد!

السادة القُراء الأعزاء، رجاء تحسسوا مراراتكم جيدًا وأسرعوا في تناول مشروبات تقلل ارتفاع الضغط.

١ – إن “السيد مارك” حينما سجل اكتشافه الذي أصبح موروثًا عالميًا، لم يكن يقصد أن تتحول “اللايكات” إلى مافيا فيس بوكية، ولا أن تنفرد صفحات الفيس بوك بوصلات من الردح بين جمهور النساء، أو غرف نوم لبعض العشاق، أو مناورات تسول لبعض المرضى.

٢- الفيس بوك هو مكان للتواصل الإجتماعي، وتطور الأمر ليصبح منارة لتبادل الثقافات، والخبرات الحياتية والمعلوماتية، وتفنيد القضايا الوطنية الهامة وتسليط الضوء على الظواهر السلبية؛ لتعرية الأنظمة الفاسدة، وتأسيس منبر شعبي لمراقبة الحكومات.

٣- لماذا لا نكون أصحاب مبدأ في استخدام اللايك، بحيث لا نقوم بتسجيله إلا لما ينال إعجابنا فعليا، ويُرضي قناعاتنا، بعيدًا عن المجاملات الكذوبة والسلوكيات المراهقية؟

٤- ربما شغلتني كثيرًا قضية “اللايكات” مع صغر حجمها وتفاهتها على غرار قضايا أكبر وطأة وأكثر أهمية، لكن يقيني أن معالجة تلك القضايا القشرية سوف يرشدنا إلى طريق معالجة القضايا الجذرية، كان هدفًا نصب عيني، لذا لم أتراخَ في عرض القضية التي تختزل “دعوة” للارتقاء وعتابًا مُجتمعيًا؛ أخص فيه بالذكر “تلك النماذج” محل التفنيد.

“دعوة للرقي في الفكر والسلوكيات أوصي نفسي وإياكم بها”، علّني أصيب في اقتناصها أو أكون سببًا في اقتناص أحدكم إياها”.

دُمتم بالمحبة تحيون، وباللايكات تتآلفون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد