عائد الحلبي

74

عائد الحلبيصحفي وكاتب فلسطيني

74

جولة واحدة في مواقع التواصل الاجتماعي تكفي لأن تشاهد المثالية المُصطنعة لدى عشرات الآلاف من الرواد العرب، وكفيلة بأن ترى كمية المنشورات التي لو كانت مُطبقة فعلًا لا قولًا على أرض الواقع لكُنا سادة الأمم في هذا الوقت!

لم أكتب هذا المقال لشهوة انتقاد، ولا من أجل أن أضيف مقالًا جديدًا في سجل مقالاتي، ولا من أجل أن أدعي المثالية وأضع نفسي مراقبًا عامًا على حسابات الرواد والنشطاء العرب، وإنما أردت أن أوصل رسالة وفكرة مُعينة ستظهر مع كلمات المقال وحتى نهايته.

«فيسبوك» هو أكبر منصة تواصل اجتماعي تجمع الملايين من النشطاء والرواد على مستوى العالم، ويوجد للعرب والمسلمين دور بارز وكبير جدًّا في تنشيط مواقع التواصل، وضخامة المنشورات، وكثرة عدد الحسابات، حتى بات المستخدم العربي لا يكفيه حساب فيسبوكي واحد!

ربما يدّعي البعض أنّي أبالغ قليلًا لو أطلقت لفظ «المملكة أو الدولة أو الجمهورية» على فيسبوك، ولكنّي هُنا أردت أن أشبه فيسبوك بالمملكة لتقريب الصورة إلى ذهن القارئ العربي. نعم هي مملكة، وكل شخص فينا هو ملك على حسابه، يتحكم في رواد صفحته، ويصدر التعميمات على هيئة «منشورات»، ومَن يعارضه ينفيه بالحذف، أو يقتله بـ«البلوك» !

فعندما يكتب أي مِنا وجهة نظره في منشور، ويُعلق أحدنا مخالفًا لرأيه، قلّما تجد من يحترم المعارضة فيواجه الشخص المُعارض آليات الديكتاتورية الإلكترونية إما حذف التعليق، وإما إلغاء الصداقة، وإما حتى حظر المستخدم، ثم يعود الشخص الديكتاتوري ليهدد عبر مملكته بالقول: «أي تعليق مُخالف سيتم حذفه!».

كذلك «التجارة بالدين»؛ والتي يتبعها عادة علماء السلاطين في الدول الديكتاتورية، هم على فيسبوك ولكن بصورة أخرى.. إنها «تجارة اللايكات بالدين»، فإن لم تضغط لايك ولم تذكر الله في منشوره فأنت كافرٌ مُلحد!

أما «مرض جنون العظمة» فما أكثره لدى الرواد، وخاصة الشباب منهم، فمَن يرى في صفحته مملكة كبيرة تحتوي على كمية «لايكات» كبيرة فإنه يعتبر نفسه شخصًا عظيمًا، ويبدأ في التغاضي عن الأشخاص، والتكبر عليهم في الرد أو المناقشة «لا أُريكُم إلا ما أرى»!

وفي ذات الوقت الذي تجد فيه مرضى جنون العظمة، تجد أيضًا من يبحثون عن الشهرة الفيسبوكية من خلال ترويج الشائعات، أو مخالفة أمر سائد، أو نشر منشورات تلفت الانتباه بغض النظر عن طبيعة محتواها حتى وإن خالفت العقل والدين والمنطق، هذا لا يهم، المهم هو اللايك!

وإلى جانب هؤلاء، تجد أيضًا «مروجي الإشاعات»، و«شبيحة الأنظمة»، و«الحمقى» الذين لا يجيدون الكتابة الصحيحة، والكثير الكثير من الحسابات التي قد تُصيبك بجلطة دماغية لا تفوق منها أبدًا.

للأسف؛ هذا هو الواقع العربي على مواقع التواصل الاجتماعي، وتلك هي النفسية العربية، ثم تراهم أنفسهم بعد أن يمارسوا ديكتاتوريتهم على الأعضاء يطلبون الحرية، وينادون بإسقاط الظلم!

هذا الأمر يحتاج منا إلى وقفة جماعية لتصحيح هذا المشهد، حتى وإن تأخر الأمر كثيرًا، فعلينا أولًا وقبل كل شيء أن نتوقف عن جعل الحمقى مشاهير، فتجنبوا الحديث عنهم حتى لو ذمًّا، وقد قيل سابقًا «أميتوا البدع بعدم ذكرها»، واليوم أميتوا الحمقى بعدم الحديث عنهم في صفحاتنا.

ثانيًا: علينا أن نُركز في منشوراتنا على المعلومة، فلنبتعد قليلًا عن المنشورات التي لا فائدة يُرجى منها كالمنشورات المُضحة، أو الأدبية المُفرطة، أو منشورات الغزل التافهة، بل يجب علينا أن نتحدث في معلومات يستفيد منها كل من يقرؤها، سواء أكانت سياسية أو دينية أو تاريخية أو حتى رياضية لا بأس؛ وأكرر «معلومات» لا آراء!

ثالثًا: يجب تجنب الأشخاص الذي يُصنفون أنفسهم على أنهم «سادة فيسبوك» وتراهم يتكبرون عليك، لا تدع لهم مجالًا في ذلك، تجنبهم، وتجنب التعليق على منشوراتهم، وتجنب الحديث معهم، وستراهم بعد فترة هم من سيأتون إليك.

هذه المواقع وُجدت لأهداف عديدة ،وبغض النظر عن ذلك فإننا بحاجة إلى ثورة فكرية، وأن نستغل هذه المواقع لصالحنا ولصالح فائدتنا بعيدًا عن التفاهات وصغائر الأمور، وتذكر أن صفحتك على فيسبوك هي جزء مما ستُحاسب عليه يوم القيامة، أولم تسمع قول الله: «وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد»؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك