احتفل العالم منذ أيام بمرور ست عشرة سنة على إطلاق موقع التواصل الاجتماعي الشهير «فيسبوك»، الموقع الذي ابتدعه الشاب الأمريكي مارك زوكربيرج بهدف تسهيل التواصل بين البشر ليتحول بمرور الوقت إلى أداة لإشعال ثورات وإسقاط أنظمة شمولية صمدت لسنوات، حيث لعبت هذه المنصة الإلكترونية دورًا محوريًا في نجاح الموجة الأولى من الربيع العربي.

ثورة «فيسبوك»

ثورات الربيع العربي والتي اختصرها العديد من المحللين تهكمًا في لفظ «ثورات فيسبوك» أثبتت قدرتها على القطع الكلي مع الماضي بكل أغواره، فخلافًا للثورات التقليدية الغابرة التي أنتجت زعماءها من رحم الشارع، فقد ولدت القيادة الجديدة داخل أروقة هذه المنصة الإلكترونية الشاسعة.

نسلط الضوء في هذا المقال على أحد الزعماء الذين تربعوا على عرش المعارضة التونسية طيلة السنوات الماضية عبر مقاطعه المطولة على الموقع الأزرق، والتي لاقت رواجًا غير مسبوق بين شباب تونس الثائر.

«صباح الحب والأمل هذا روح الله وروح شعب تونس إكسيل المظفر الثاني من منفاه الباريسي المؤقت يحييكم ويشد علي أياديكم كالعادة».

بهذه الكلمات يحيي المعارض التونسي صاحب الخمسين سنة ونيف أتباعه على «فيسبوك»، قبل أن ينبري في تحليل مضن للواقع التونسي الذي يصفه بالكارثي، مسوقًا في الآن ذاته لمشروعه السياسي الذي يقطع مع الماضي بكل حيثياته وأغواره.

جلال بريك شخصية تونسية فريدة لا يمكن بأي حال من الأحوال مقاربتها دون تتبع مضنٍ للتحولات الخطابية التي مرت بها منذ اندلاع الثورة التونسية إلى يومنا هذا، فخلافًا لبقية السياسيين التقليديين أصحاب المواقفة الثابتة والأفكار الجامدة، يتحرك جلال بريك في أفق أرحب، فهو سياسي بلا مضمون؛ نعني بلا مضمون له هوية يجعله مجرد مسخ جديد أنتجه تناسل النظام القديم بالأفكار اليسارية.

قدرة هذا السياسي الفريد من نوعه على تقمص أكثر من شخصية بطريقة حرفية تجعلنا نتساءل هل يسوّق جلال لأفكاره على حساب صورته؟ أم أنه فعلًا يعاني من اضطراب هوية يجعله قادرًا على تقمص أكثر من شخصية في ذات الجسد الذي أنهكه المنفى؟

ما بين جلال المثقف وجلال العربيد، ما بين جلال المرهف وجلال البذيء، السكير ما بين جلال الإنساني وجلال المتعطش للدم، يحاول المحللون السياسيون فهم هذه الشخصية المحيرة.

أن تلعن شعبك وتصيح في موتاه ليفيقوا هو انتحار سياسي لا شك في ذلك، لكنه في حالة الخطر المحدق يعتبر أشد الأفعال أخلاقية – هكذا يبرر أتباع المعارض التونسي البارز أسلوب زعيمهم الإلكتروني الذي يتميز بنوع من الحدة والتشنج.

مؤخرًا، بدأ جلال بريك يفقد الكثير من أتباعه بسبب سياسة التكميم التي ينتهجها مخالفوه من خلال التبليغ على منبره الوحيد الذي وجده يتيمًا لا ترضى أي وسيلة إعلام تونسية أو عربية دعوته فآواه.

فقدان هذا المنبر جعله يفقد الكثير من اتزانه السياسي لينتج لنا نسخة عنيفة جدًا من جلال بعد أن تكالب عليه الجميع كما يدعي في كل ظهور له.

لا يخفى على أحد أن أتباع الرجل ليسوا بالنذر القليل، لكن إصراره على إقحام الديني في السياسي يحول دون انتشار مشروعه السياسي، إذ يجد المواطن التونسي نفسه في حيرة من أمره، فمن ناحية جلال هو السياسي المثالي الذي لا يداهن ولا ينافق، لكنه في المقابل يغرد وحيدًا على نقيض الثقافة التونسية التي يمثل الدين فيها ركيزة أساسية لا محيد عنها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد