بات المجتمع الافتراضي عبر مواقع التواصل الاجتماعي التقليدية «فيسبوك، تويتر، يوتيوب، إنستجرام، تيليجرام…» والتي يرتادها ملايين الأشخاص حول العالم، يمتلك لغة وثقافة في التعاطي بين المستخدمين، تشكل في عقل كل منهم وقلبه تصورًا محتملًا للعلاقة مع الآخرين إن جربوا الانتقال منها إلى العالم الفعلي، أو تحدد نوعية تلك العلاقة الإلكترونية ومدى استمراريتها.

وتتنوع عبر وسائل التواصل طرق التفاعل ليبقى أشهرها الدردشة «تشات»، والإعجاب «لايك»، والتعليق «كومنت»، والمشاركة «شير»، وإعادة التغريد «ريتويت».

وإن درست الحالة للإعجاب عبر فيسبوك أو ما يعرف بثقافة اللايك، تتعدد الرؤى بناء على وجهات نظر الدارسين سواء المتخصصين نفسيًا أو تقنيًا، وغير المتخصصين، وكذلك غير الدارسين، إلى الحد الذي تصير معه كل الآراء المقدمة صالحة للدراسة.

وبما أن لكل منّا ثقافته في الحياة ونمط معيشته ورؤيته الخاصة للأمور، لذا فإن الوارد أدناه مستقى من تجربتي الشخصية مع هذا المجتمع الموازي والمتقاطع مع الواقعي.

«اللايك الفيسبوكي» مـن وجهة نظري شيء مفهوم وغامض في آن معًا، فقد يعبر عن أشياء وقد يخفي وراءه ما هو أعظم.

أصطدم بصديق حقيقي يعاتبني فيسبوكيًا لأني نسيت أن «أليّك» له على منشوراته، وأليّك هو الفعل المعرّب من لايك، لأؤكد له لاحقًا أن قصر الوقت والإهمال والكسل وقلة الواجب هي الأسباب وراء ذلك، علّه يصفح عني.

ويصدمني آخر كثير الحديث في الواقع، وقليل التفاعل في المجتمع البديل، إذ أحتار معه، فإن لمته تذكرت قصتي مع صديقي الذي قصرت باللايك تجاهه، وإن لم أنبّهه واصل إزعاجي لقلة وصله.

ويتبادر إلى الذهن صديق عهدته وفيًّا، لكن تجنبه الصد والرد وابتعاده عن الأضواء يضعه في زاوية مظلمة تضيئها كلمة «مرحبًا» أو لايك أو نكز انتزع بها زمام المبادرة.

ولا عتب على رفاق المدرسة والرياضة والطفولة وأصدقاء أماكن العمل السابقة، إذ تفرقنا مشاغل الحياة، لكن كم يزعج أن لا يبدو إعجابهم بشيء مما يصدر عنك وكأنها كبر وغرور، وكم يؤنّب الضمير غياب الإبهام عن لايك محتمل على منشوراتهم نتيجة صدودهم.

ولا بأس بلايك يأتي رد جميل للايك على طريقة ردّ الهدية أو ردّ الزيارة بزيارة، وهو ما يتحول إلى قطيعة في حـال قلة حضورك لديه، وقد يكون اللايك من باب الواجب. والحقيقة أن هناك لايكـات أخـرى يسعى إليها الشخص من باب زيادة عدد اللايكات، وإثبات الحضور الافتراضي الذي من الممكن أن يخدم في الشهرة والظهور.

ويروقني بعيد عن العين يحبني قبل أن أقابله، شديد التفاعل مع حالاتي ومنشوراتي، أشعر بخجل لحسن وصاله ومودته رغم حداثة عهدي به.

وأنوه إلى أن مقالي السابق أعلاه، واللاحق أدناه موجه إلى كل الأصدقاء والقارئين من الجنسين بلا تمييز، وأرجو أن يكون العرض واضحًا.

هناك أيضًا اللايك الذي تراه مترافقًا بتعليق أو حالة «حب، حزن» لشخص لا يفشي عليك السلام في أيام العمل، تشعر أن صاحبه يعاني نقصًا في الحوار وجهًا لوجه، وضعفًا في الشخصية يترافقان مع البلاهة التي تطغى على قدرات التفكير لتتفتح أمام شاشات الحواسيب والهواتف الذكية، أو ربما يختلط ذلك مع خبث ما، وشعور بكبرياء تائه أعلى شأنًا من أي نقاش بنّاء.

والمرجح أيضًا أن هناك لايكات نابعة عن الخوف من خسارة مصلحة يمكن لصديق فيسبوكي أخذها مستقبلًا، أو لخوفه من الاختلاف في الرأي الذي هو حق كل إنسان.

في المقابل، هناك من يمتنعون عن أي لايك أصلًا بوصفهم حياديين ويخشون وسائل التواصل، ويخافون من الجرأة في الطرح.

وكذا فإنّ هناك من لا يرغب باللايك سوى بوجه ضاحك أو بناء على «تاج» من صديق مشترك، لمحاولة التهكم وتقليل شأنك، أو لغيرة في النفس، أو لداء العظمة وشعوره بوجود فارق في السيرة الذاتية المكتسبة من فيتامين «و» بالعربية واسطة، تجرع منها الفشل المنمق بأكذوبة النجاح المبنية على حب مدير فاسد له، تزامنًا مع محاولته إفشال الآخرين؛ ليبني صنمًا تذكاريًّا لا يراه أحد سواه.

وقد يقاطع شخص دمث معك عند اللقاء استخدام ثقافة اللايك تجاهك لاختلاف سياسي وفكري لا يعلن عنه ويراه جذريًّا فيما تراه حقًّا طبيعيًّا، في حين يمارس ابن فريقه السياسي الوعظ والإرشاد، مكتفيًا بتعليق هنا، وإشارة إلى منشور فيديو أو رابط خبر هناك، يؤكد من خلالهما امتلاكه الحقيقة التي تنفي كل توجهاتك. ولربما مارس الأخير التعليق من باب «المونة» والمودّة رغم الخلاف، أو لأنه يعجز عن السكوت عند قراءة ما يناقض أفكاره.

وقد يمارس الشخصان ذلك لحفظ العلاقة على وضعها أو لاستجرارك وتحويل المودة الحقيقية إلى خصومة، والذكاء يكون بعدم الرد القاسي على كل ذلك، ومقاومة جرع «التشبيح الفكري» غير المشروع، والذي يشبه التحرش الجنسي إلى حد كبير.

وبعضهم يضع لايكـًا يشبه مهمة عنصر المخابرات العربي، وكأنه يقول لك «أحسنت صنعًا»، كما يضع آخرون لايكًا عند منشور يمس شخوص مديرين أو رؤساء يعقدون لهم الولاء والطاعات، ويرونهم أرباب النعمة والرزق، وكأن بهم يقولون لك: «نحن هنا عيون السلطان».

وكل تلك الفئات تهون أمام الجاهل الذي يروقه الترويج السلبي للعامة عن خوفه على سلامتك لما تنشر وتقول، فيزيد أصابع لومها عليك لاختلافك عنها، ويتحول دون أن يعلم إلى براقش التي تجني عليك جيئة وذهابًا.

والأشد فظاعة هم الطابور الخامس من مخبري أجهزة الأمن والجهات الحزبية، الذين تظنهم لطفاء بإعجاباتهم وتعليقاتهم، وقد لا يعرف من هو المخبر حتى بعد استدعائك من جهاز المخابرات للتحقيق معك عقابًا على منشورك الذي لم يرقه.

ولا بأس إن صادفت من يهديك لايكًا على قبيل المجاملة، وآخر اعتاد وضع اللايك للإشارة إلى المكان الذي وصل إليه أثناء متابعته منشوراتك.

وقد تواجه مشكلة وفود لايك يقلق الراحة من شخص يكرهك ولديه خصومة معك، أو لايك ممن لا تتوقع أنه هنا لكن كثرة أصدقائك ومعجبيك استعطفته؛ فأحب أن يمارس سياسة القطيع بلايك يتماشى مع الأكثرية بحثًا منه عن موطئ قدم أو قشرة من قشور الحياة.

آخرون يلعبون دور الواعظ عبر وسائل التواصل، فلا ترى منهم لايكًا، بل تعليقًا مليئًا بالكبر والغرور ومحاولة لإهانتك وتسخيف آرائك، وشخصنة العام بديكتاتورية تدعي النصح والإرشاد الأبويّ، وتزعم إدراك مصلحتك أكثر منك.

فئة من هؤلاء تظن أن واجبك الوقوف عند تجربتها واحترام نظرتها الدونية لك، وهي التي تصدق كذبة أن ما تنشره حضرتك مجرد ضجيج وهراء. وبعضهم جبان عند المواجهة وغير كفء على أي صعيد، ونسبة كبيرة منهم وقحون قادرون على تبرير ما ذهبوا إليه بلا رادع اجتماعي أو أخلاقي؛ لمجرد بناء صورة مسبقة عنك وتبنيها في سلوكياتهم تجاهك.

وقد يكون الدواء الشافي مع المصنفين آنفي الذكر الحظر «بلوك»، غير أن اكتشافهم مسألة صعبة تحتاج إلى ما يعرف في علم النفس بالذكاء العاطفي. وهناك لايكات أخرى تبنى على الإعجاب بالشخص لشخصه، لا لما يقول وينشر، حتى لو كان رديئًا مسيئًا خاليًا من المضمون ومليئًا بالأخطاء اللغوية والنحوية والإملائية.

ولا ينسى مرور مدير العمل أو صاحب الخبـرة في حقلك المهني بلايك فيسبوكي قابل للتأويل، يرتبط بشخصيته وغايات نفسه. فقد ينبع عن إعجاب بطريقة تفكيرك وموهبتك، أو لاجتهادك في العمل، أو لمحبة تجعله يغضّ الطرف عن الأخطاء، أو ربما للرقابة على الأفكار، أو غير ذلك.

وهناك من يتبعون اللايك نهجًا للحشرية والتدخل في شؤون الآخرين، من خلال دراسة ما وراء المنشور من دوافع وظروف، وربما ينتج عن ذلك شائعات تصلك بالتواتر.

وكذلك يحتشد الذكوريّون محاولين فرض أفكارهم بمشاعر سلبية على منشورك من قبيل الاستغراب «wow»أو الغضب، ثم إن طرح تعليقًا ورددت عليه؛ يكون رده على ردك قمعيًّا من قبيل «من شان الله لا تجلطني» أو «خلص حل عني»، وهذه الفئة لا تستطيع التخفي.

ومن رواد المواقع أيضًا ذوو الفهم الموجه باتجاه واحد، الذين لا يضعون اللايك إلا لفكرة واحدة في حال تناولتها بحذافيرها، التي تلبي نشوتهم مع تغييب أي بديل عنها، بغض النظر أكان التغييب مناسبًا للنص أم غير مناسب. وإن عاكست الفكرة قفز تعليقه النقدي الصريح في وجهك مجردًا من أي لايك.

ويصادفك صنف الموجهين فكريًّا، الذي يخشى الصداقة الفيسبوكية مع كل من يتوقع امتلاكه أي تفرعات للفكرة، خوفًا على نفسه من الضياع، وخشية تبعات اللايك الأمنية عليه، أو تأثير ذلك على درجة الولاء أمام عبيد فكرته، متجنبًا أرق الحوار لاعتقاده أن الاختلاف مدمر للمجتمع المتجانس افتراضًا في دماغه على عكس سنّة التنوع التي أتمّ الله خلق البشر عليها.

وفي خضم الزحف الفيسبوكي، تزامنًا مع مرور الزائرين لك في بيتك اشتياقًا، أو خلال عبورهم محطة «ترانزيت» ما قبل الرحيل المتمثلة بغرفة نومك، يقدمون لك اللايكات الكثيرة فيسبوكيًا، ويبدون إعجابهم بكل شيء تقوم به في حياتك، وتتناسب درجة الإعجاب تلك طرديًّا مع المسافة التي تفصلك عنهم بطريقة تشبه ثالوث «الواقعية والواجب والابتذال»، وهو النقيض الشرعي لأحادي التواصل الاجتماعي.

ولا تضيع من الذاكرة فئة الحاضرين الغائبين بنوعيها المرغوب والمنبوذ، فالأولى أتبادل معها اللايكات القلبية، والثانية هاربة من وجه العدالة الفيسبوكية بذريعة العمل الثوري والانشغال عن متابعة المجتمع البديل خلال انشغالها بتجميع مال الثورة وتحويله إلى ثروة، وهي الفئة الخائفة لخطاياها أينما حلت، ولا يشفع لها لايك أو تعليق أو دردشة.

وفي زحمة التناقضات والتحليلات المصيبة والمخطئة؛ كم يمس القلب لايك فيه من عتب الصحبة التي أبعدتك عنها متاعب الحياة، ولايك آخر يقدمه من يقدر شأنك في القرب، ويدرك قيمة فقدك، ويرجو لك دوام التوفيق.

ويؤسفني بصدق تقصيري حيال أقاربي وأرحامي فعليًّا وافتراضيًّا؛ جراء ظروف النزوح والتشتت الناجمة عن الحرب السورية التي طالت الجميع في مخيمي، مخيم اليرموك، ومعظم الحواضر الفلسطينية والسورية، فهؤلاء الذين لا لوم لي عليهم، وأنا من يجب أن أبادر تجاههم وتلغى عندهم كل ثقافة اللايك.

ويبقى الطيبون المتجانسون مع أنفسهم في الواقعي والافتراضي أجمل فئات المليّكين، وهم الذين يستحقون الإعجاب والاحترام عند اللقاء، فسلام إليهم حين يضعون اللايك إعجابًا بما نعتقد ونفكر بلا عقد تشوه صفو التفكير الحر.

وبالطبع كل الفئات السابقة التي عكسها قلمي عن بنات أفكاري واستخلاصات اطلاعي ورصدي، قد لا تعني شيئًا لغيري ولا سيما المتخصصين، وهي بعض من كل مهما تكاثفت وتكاثرت.

الأهم من كل ذلك أن الإعجاب البشري يبقى بكل المقاييس فاتحة خير إلى أن يثبت العكس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد