وأخيرًا وصل عدد سكان الأرض، عفوًا أقصد قارة «فيسبوك» ملياري شخص بعد ولادة صديقي خالد على كوكب مواقع التواصل الاجتماعي بالأمس حين أنشأ حسابًا على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وبدأ فترة التعلم والتعلق سريعًا حيث أشرف على تعليمه صديقي كبير العمر فيسبوكيًا «محمد» كتلك الأم التي تربي أبناءها منذ مولدهم.

بعد مرور فترة من الزمن، تعلق محمد بالحياة الفيسبوكية كما نتعلق بالحياة الواقعية الفانية، فكما نهجر القرآن بالأشهر من أجل تلك «الدنيا» الدنيا، بدأ صديقي بهجر القرآن والحياة كاملة من أجل تلك الحياة افتراضية المظهر واقعية الأصل.

بعد أن أتقن استخدام تلك المواقع كالطفل الذي أكمل عامه العاشر وأصبح يذهب بدون اصطحاب مرشد، قرر صديقي أن يسافر إلى قارة أخرى تختلف في استخدامها عن فيسبوك، سافر إلى قارة إنستجرام واختلفت الثقافة هناك كاختلاف ثقافات الدول، فأضحى يوثق كل تفاصيل حياته بالصور ويرفقها على ذاك الموقع، بعد أن كان محافظًا لا يجرؤ على عرض صور حياته، فأصبح لا يمر يوم بدون عرض إحدى صوره على «الإنستا».

وتتنوع شخصيات البشر على تلك القارة الافتراضية كما تتنوع على أرض الواقع، فترى من يضم للجامعات العلمية «الجروبات المفيدة» ويسعى إلى الارتقاء بالجانب الديني بالمشاركة بالمراكز الدينية «الجروبات الدينية»، وكما ترى من يحرق وقته بالمقاهي والنوم تجد أيضًا من يحرق وقته بالمكوث في بعض الجروبات والصفحات «المهلكة للوقت» إن صح التعبير.

في يوم ميلاده أرفق ذاك المنشور المشهور على تلك المواقع، وعاتب من لم يهنئه افتراضيًا بتعليق أو رسالة عبر «الماسنجر».

قرر خالد أن يصل رحمه، ففتح دردشة عائلية على الماسنجر وسأل في عشر دقائق عن أحوالهم وغادر تلك المحادثة لينتقل إلى محادثة من لا يعرفه، فالغريب أولى بالحديث.

بعد فترة من الزمن قرر خالد أن يبدأ مشروعًا تجاريًا من خلال متجر إلكتروني على فيسبوك والدخول في «مجموعات الأسواق وتبادل السلع».

في أحد الأيام أرفق منشورًا على مواقع التواصل الاجتماعي كعادته اليومية وخاصم صديقه المقرب لأنه لم يضع «لايك» على المنشور!

بعد وفاة والد صديقي خالد قرر أن يفتح بيت العزاء من خلال منشور فيسبوكي وتقبل التعازي في التعليقات وعاتب صديقي من لم يعلق على ذاك المنشور لعدم تأديته واجب العزاء!

وفي إحدى الرحلات مع عائلته، ضرب ابنه ليبتسم للصورة «السيلفي» ليحّملها على الإنستجرام مرفقًا تعليق «رحلة رائعة مع طفلي الصغير»!

خرج صديقي مع أصدقائه في إحدى العطل إلى مقهى، ليقضوا وقتًا رائعًا معًا، فما أن وصلوا ذلك المقهى حتى أخرج كل منهم هاتفه المحمول ولم ترفع أعينهم عنه باستثناء تلك الصورة الملتقطة لهم جميعًا لترفق على مواقع التواصل الاجتماعي مرفقة بتعليق «أجمل رحلة مع أفضل الأصدقاء»!

وكعادتنا في حياتنا الواقعية نصفق لأولئك الأغبياء المشاهير ونتابعهم باستمرار، ونؤيدهم في أخطائهم مبررين ذلك بأسباب اختلقناها بدون اقتناع ذاتيًا بها، لم تخلُ قارة فيسبوك من تلك العادة فأرسل محمد إلى صديقي خالد قائمة بصفحات أولئك المشاهير فيسبوكيًا ليضغط على زر المتابعة من دون تصفح صفحاتهم، كالقطيع تمامًا للأسف دون تفكير ودون قرار، فقط لأن غيره يتابعه.

فتجد أحد أولئك الأشخاص أرفق منشورًا بـ«عطشت» بعد نصف ساعة تجد ألف تعليق ومثلها مشاركات وضعفها إعجابات، في المقابل قامات علمية وعلماء وموظفون في كبار الشركات مثل ناسا وغيرها يرفق منشورًا علميًا فلن تتعدى الإعجابات العشرين بعد 24 ساعة بغض النظر عن مفهوم الإعجاب والتعليق، وفي النهاية نسأل أنفسنا لماذا لم ننتصر؟ لماذا سبقنا الغرب؟ لماذا ولماذا؟ الإجابة في أفعالكم يا سادة.

وحين تعلق صديقي بذاك الكوكب الافتراضي وأصبح يقضي جُل وقته على صفحاته بل يحرق وقته، أصابه الملل والكآبة فقرر الانتحار بتعطيل حسابه على فيسبوك، فبعد ساعات من تعطيله تراجع عن قراره وتذكر لذة وروعة مواقع التواصل الاجتماعي في إحراق وقته، تمامًا كذاك الشخص الذي انشغل بالدنيا ولذاتها ولم يعطِ الآخرة شيئًا من وقته فملّ وتعس وأراد الانتحار فقرر ولكن تراجع أخيرًا قبل التنفيذ، كيف لا يتراجع وهو يعلم أن مصيره حياة تعيسة أخرى في نار جهنم.

المشكلة ليست في تعطيل حساب فيسبوك أو تفعيله كما يظن البعض، الفكرة تمامًا كمن يقضي وقته في «ولا تنس نصيبك من الدنيا» ولا يدّخر 10 دقائق من وقته للعبادة، بالمثل وقتك على مواقع التواصل الاجتماعي بحاجة إلى إدارة وفقط مع فارق التشبيه بالتأكيد.

لا تعلقوا قلوبكم بواقع افتراضي لا يمت للواقع بصلة، لا تبتعدوا عن واقعكم الحقيقي، لا تجعلوا أوقاتكم تحرق على تلك التكنولوجيا، أنصفوا أنفسكم، أنصفوا روحكم، عيشوا حياتكم كما يجب، تقربوا من أصدقائكم وأحبابكم على أرض الواقع، تقربوا من أهلكم، كونوا أنتم وفقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد