في وقتنا الحاضر هذا الذي زحفت فيه التكنولوجيا وكل ما هو إلكتروني بشكل كبير، وطغت فيه على مظاهر الحياة اليومية للبشر، ومن مظاهر هذا التدفق الفياض لنهر الإلكترونيات ما نجده من كثرة وسائل التواصل الاجتماعي، وحديثي هنا سيقتصر على إحدى أبرز هذه الوسائل الشائعة: (الفيسبوك) وبالتحديد عن آفة من الآفات الناتجة عن الاستعمال غير المعقلن لهذه الوسيلة، فما هي هذه الآفة؟

إذا سلمنا بداية أن وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة اليوم غدت مساحة واسعة رحبة للنقاشات العمومية والتواصل وتبادل الأفكار والخبرات والآراء… إضافة إلى كونها من أكثر الوسائل تحقيقًا للفعالية في بث الأخبار ورصد الأحداث اليومية في المجتمع مما يتيح التفاعل معها بشكل مستمر، فهذا هو الغرض والمقصد المحمود بالأساس من إتاحة هذه الوسائل.
لكن في خضم هذا الاستخدام العريض لهذه الوسائل التواصلية، تأبى بعض الطفيليات ترك الأمور تمضي إلى تحقيق غايتها ومقصدها النبيل، فتطفو (الطفيليات) على السطح مقنعة بأسماء مستعارة غريبة شغلها الشاغل هو تقويض البنيان التواصلي بين الناس والتشوش على النقاشات الجادة والاستهتار بالآراء والأفكار الهادفة، كالذباب حسّهم يذهب ما في اللباب، وكأنما زُرعت في هذه الفضاءات عمدًا لنشر التفاهة وإغراق السوق التواصلي بالبضاعة المزجاة الزهيدة!

والأدهى من ذلك أن بعض هذه الأشباح الفيسبوكية على الخصوص يعمدون إلى التعبير عن آرائهم! أو قل عن شطحاتهم، لأنه لا يمكن للشبح أن يكون له رأي وهو غير متصالح مع ذاته وغير مقدر لنفسه، وذلك بتقمصه صور وأسماء غيره تحت سقف مبررات واهية! مثل الخوف من الرقابة وكماشة الاستبداد، نعم عد الأنفاس والتحجير موجود في أقطار القهر والظلم، لكنه ليس مبررًا لهذا التخفي الغريب والعجيب، فالأمر بسيط: قل ما أنت مقتنع به وتتحمل مسؤوليته ولا تحرج نفسك بالتصعيد في القول من وراء حجاب وقناع! ولا تتزايد على من اختار الحديث بحذر وبصفته الحقيقية.

وعليه فالرأي ينبغي أن يكون حرًّا وعن اقتناع وعلى قدر المسؤولية التي يستوجبها ويفرضها، وغير ذلك تكلف لا معنى له. بينما نجد محترفي الشطح الفيسبوكي يتجذورن في شطحاتهم ويتطرفون في التعبير عن آرائهم! الوهمية حد الجنون في غياهب سجون الوهم! مجسدين بذلك صورة بئيسة لفعل التواصل الاجتماعي! وآفة من آفات منصات التواصل الاجتماعي أو قل البؤس التواصلي الفيسبوكي.

فلماذا يتخفى هؤلاء المعذبون في الأرض وراء الأسماء المستعارة؟ ولماذا يشطحون حد الجنون؟

يلجأ «الفاسبكة» الأشباح الذكور والإناث على حد سواء للتستر عن أعين الآخرين لكثير من الأسباب التي يتداخل فيها السيكولوجي والسوسيولجي… وهنا لا أكتب بقلم متخصص في علمي النفس والاجتماع فأنا لست كذلك، وإنما هو رأي مبني على ملاحظات بسيطة يمكن رصدها دون عناء كبير.

ومن ذلك مثلًا: الخوف أو الخجل من الظهور أو عدم الثقة بالنفس وعدم اعتبار الشخص لذاته، أي أنه يحتقر نفسه ويهينها ويجلدها! وهؤلاء يحضرون في الفيسبوك على قسمين:
قسم متفرج محايد قد يتفاعل أحيانًا لكن بطريقة لبقة وقد يجْمد ويكتفي بالمتابعة فقط، ودائمًا ما يقرّعون من طرف النشطاء في الفيسبوك فيعتبرونهم أصنامًا.

ومن «الفاسبكة» النشطاء من يعتبر هؤلاء الجمهور المتفرج ضيوفًا لديه في صفحته فيسألهم ماذا يشتهون من الأكل وعن الشراب الذي يرون أنه مناسب لهم حتى يقدموه لهم! تنكيتا وتبكيتا.
هذا بالنسبة للقسم الأول الجامد، أما الثاني فهو الخطير، ويتمثل في الجيش الإلكتروني الذي يهجم على الحسابات التي تنتقد السلطة… ويحاول هذا الذباب الإلكتروني الاختراق والقرصنة للحسابات المزعجة هذه، كما أن هناك نوعًا آخر ينتحل شخصية معينة لتمرير مغالطات ونشر الإشاعات، فهؤلاء موجهون لغرض واضح عن سبق الإصرار والترصد.
وإليهم ينضاف أصحاب الشطح الفيسبوكي الذين يغردون خارج السرب دائما ويصنعون لأنفسهم الأبراج العالية الوهمية فينظرون لمثالية مريحة بعيدة عن الواقع المرير، ويسبحون في بحر النضال الوهمي وينتشون بنشوة الانتصارات الافتراضية! ويتجذورن في آرائهم حد الجنون، وهم أكثر الناس تناقضًا وأشدهم نفاقًا، وكيف لا والوجوه كثيرة والاقنعة متعددة؟! فالنقد عندهم عشوائي غير مبرر ولا فرق بينه وبين السب والشتم والقذف…

ويحضرون في النقاشات العمومية الفيسبوكية بهذه العقلية المتصلبة فيستحوذون على الفسحة الافتراضية هذه ويسيطرون على الأمر، لأنهم يجيدون اللعب في مستنقعات التفاهة ولا يشق لهم غبار في معارك قلة الحياء! لذلك غالبًا ما ينتصرون في هذه المعارك وينجحون في تقويض كل نقاش جاد.

وبناء على ما ذكر فإن مواقع التواصل الاجتماعي تعاني من هذه الآفة (الشطح الفيسبوكي) التي يجسدها جيش المتخفيين بالليل والنهار، الذين يعشقون النقد والمعراضة ولكن لا يمتلكون الجرأة المطلوبة لذلك، فيلجؤون للتخفي كوسيلة لإفراغ مكبوتاتهم المتناحرة في نفوسهم.

وهذا التخفي ربما نتيجة خلل ما في شخصيات هؤلاء الأشخاص المصابين بداء (الشطح الفيسبوكي) مما يتطلب ضرورة بحثهم عن العلاج إن هم اعترفوا بداية بعلتهم وشخصوها، ثم بعد ذلك سيسهل علاجهم.

وإلى ذلك الحين فما على النشطاء الفسابكة إلا الإعراض عن نقاشات الأشباح وتحصين الحسابات بالسهر على تطهير الصفحات الفيسبوكية من الأشباح أصحاب الأسماء المستعارة والصور الوهمية المتخندقين الذين يجعلون من النقد مبررا لنشر قلة الحياء، ولذلك وجب إماطة الأذى عن الطريق تكريسا للقيم الأخلاقية الحميدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد