عندما سيطرت السوشيال ميديا على حياتنا .. ظهرت مهن جديدة وأصبحت الشهرة هدفا واضحا أمام الكثيرين
في البداية لست أنا الشخص الذي يحب الحديث عن نفسه كثيرًا، ولكن خصصت هذا المقال أو تلك الفضفضة بمعنى أصح فقط من أجل التوثيق، اردت أن اوثق جانبًا صغير من حقبة غزو السوشيال ميديا لعالمنا العربي، فهو حقبة عجيبة غريبة، فيها التواصل الإليكتروني البعيد أهم وأعمق من التواصل مع البشر، نعم قرب البعيد، لكنه في نفس الوقت بعد القريب، تسبب في خرس زوجي وتفكك أسري، فيها أصبحت الشهرة هدف أمام أعين الشباب، فيها أسرار البيوت على الملأ، وصورنا الشخصية سهلة ومتاحة للجميع بكافة الأوضاع وفي جميع المناسبات، فيها أصبح هاتفك الخلوي smart phone بمثابة مسرح جريمة وشاهد عيان على خيانتك. 
للأسف لم يلتفت الكثيرون من رواد السوشيال ميديا إلى مفهوم لعنة الشهرة، حيث بات هم العديد من الشباب وشغله الشاغل هو كيف أن يصبح حديث مواقع التواصل، وأن يجمع أكبر عدد من اللايكات Likes، والتعليقات comments، والمشاركات shares، حتى يصل للتريند Trend ويصبح مشهورًا.
نعم الشهرة وفكرة آلاف المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، لاحظت أنني من القلة القليلة التي لا ترغب في الشهرة، ولا تحب الأضواء؛ حتى وصل الأمر إلى عدم الرغبة القوية في التفاعل مع أصدقائي على حساباتي الشخصية على مواقع التواصل، ومن ثم عدم الرغبة في نشر صور شخصية، أو مواقف حياتية تحدث لي إلا في أضيق الحدود، في الحقيقة ومع مجال عملي حيث الصحافة يعني الظهور على الفضائيات وما أكثر برامج التوك شو الآن، والتي تريد وترغب في ملء الهواء، فنكون نحن الصحافيات والصحافيين في المقام الأول وبالتبعية هناك الكثيرون في المجالات الأخرى، والتي تتيح لهم الفرصة كضيوف يدلي بدلوهم في موضوع ما، أو ربما للحديث عن حالات ومواقف شخصية تدعم وتقوي وتكون مصدر قوة لحالات مشابهة لها، بصرف النظر عن سبب الظهور الإعلامي، فكرت في مواقفي التي رفضت فيها أن أكون شخص يظهر أمام الكاميرات، أو أن أكون الكثير من العلاقات في هذا الوسط، فعملي في مجال الصحافة، أتاح لي الفرصة لأكون أمام الكاميرا، وفي حقيقة الأمر، في بداية عملي فكرت فعليًا وأجريت اختبار كاميرا test camera، لكن مع مرور الوقت ومع تصاعد الأحداث في الوطن العربي، أيقنت هذا المصطلح (لعنة الشهرة)، أو حتى الظهور، مجرد الظهور عبر وسائل الإعلام المرئية.
ومع أول عرض قدم لي لأن أكون ضيف في إحدى البرامج، رفضت وأيقنت أني كارهة للأضواء سواء على الفضائيات أو حتى على حساباتي الشخصية على مواقع التواصل والتي يستعجب البعض أن معظمها للأصدقاء فقط وأخرى private.
ولا أهتم بتحديث صوري الشخصية من وقت لآخر، ولا أحرز مزيدًا من المتابعين، ولا يسرني ويشغل تفكيري كيفية زيادة عدد اللايكات، ولا عدد المتابعين لموضوعاتي الصحافية، رغم أن ذلك من مصلحتي، حيث زيادة عدد المشاهدات لشغلي، ربما هذا التفكير غير مجزٍ، لكن في حقيقة الأمر مريحًا جدًا بالنسبة لي، ربما خسرني أيضًا العديد الفرص الأفضل في مجال عملي.
لست نادمة وأدعو ربي أن لا استخدم وأطوع حياني الشخصية من أجل الوصول إلى قلوب الأصدقاء والمتابعين، ومن ثم توطيد هذه العلاقات التي قد استغلها يومًا ما في الحصول على فرصة أفضل، ليس اختلافًا عن الآخرين في زمن أصبح الغالبية العظمى من الشباب ورواد السوشيال ميديا يفكرون في كيفية الشهرة، كل حسب مجال عمله، حتى ظهرت أمامنا العديد من المهن بالمسميات الآتية: blogger، أي مدون حسب المجال الذي يختاره، influencer، أي مؤثر، وغيرها.
تخيلو معي عندما يصبح وظيفة إنسان هو التأثير في الآخرين، كيف يجب أن يكون هذا الشخص.. أسلوبه، طريقة كلامه، ماذا يقدم في الأساس.. المشكلة هنا تكمن في مقومات معظم من يمتهن هذه المهنة، وذكرت معظم لعدم التعميم، وهي للأسف وفقًا لما هو واضح أمامنا، مقومات بسيطة، وأعتقد أنها تتوافر لدينا جميعًا، لكن الرغبة هي المحرك، منها، كيفية جذب عدد أكبر من المشاهدين بأية وسيلة بغض النظر عن محتوى ما يقدمه، لديه رغبة قوية في الشهرة والظهور ونيل اهتمام الجميع.. وهي الدافع والمحرك كي يمتهن أي شاب مهنة المؤثر influencer.
ورغم أن فكرة التأثير في الناس ليست بالهين، ففكرة أنه يتابعك آلاف الأشخاص فأنت من المفترض أن تكون قدوة ومثلًا أعلى من باب التأثير الإيجابي، واكتساب مزيد من الحسنات وفقًا لذلك، ومساعدة الناس وتقديم خدماتك وخبراتك لهم، وتتجنب أن يتأثر بك، أي شخص تأثير سلبي، أو أن يقلدك في تصرفات أو ألفاظ غير مستحبة، وبالتأكيد هناك من الـinfluencers من يراعي ذلك، ويقدم شيء مفيد أيضًا سيحسب له ويزيد ميزان حسناته، فالسوشيال ميديا سلاح ذو حدين في النهاية بكل تأكيد، وأصبح لا غنى عنها أيضًا في تلك الحقبة الزمنية التي نعيش فيها الآن.
نعود إلى استكمال مقومات بعض من يمتهن مهنة الـinfluencer أو في طريقه إليها، وهي خفة الدم، العمق في صلب أي موضوع يطرح للنقاش ممزوجًا بسخرية، مع ذكر أدق أدق التفاصيل سواء بالصور أو بالمواقف الـlive، دون أي مراعاه لمشاعر أحد، يخوض في موضوعات حساسة، وأخرى خاصة جدًا دون أي حياء، فيديوهات لايف كثير، فيديوهات ساخرة من عادات وتقاليد متأصلة، صور شخصية، مواقف حياتية، صور في الشغل، في النادي، في التجمعات العائلية، في الأعياد والمناسبات… حتى الحصول على آلاف الإعجابات والتعليقات والمشاهدات لتلك الفيديوهات التي يقدمها والتي تهدف أولًا وأخيرًا إلى مزيد من الضحك، قلة القيمة، السخرية أو التحفيل على كل شيء.. حتى للأسف يتفاعل معها الكثيرون، فيصبح محور اهتمام وكالات الدعايا والإعلان، ومن ثم يطل علينا في العديد من البرامج والمسلسلات، ومنهم من أطلوا علينا بالفعل.
وبمجرد أن أصبح هذا الـinfluencer
مشهور.. أي فاق حدود السوشيال ميديا وأصبح نجم فضائيات، بالطبع يخطر على بال من يتابعه أن يصبح مثله، متسائلًا.. الموضوع ليس صعبًا.. كل ما في الموضوع باقة إنترنت محترمة مع شوية لباقة في الكلام، و24 ساعة على النت، ما بين لايف لحياته الشخصية، مواقف لأولاده، صور خاصة في مراحل عمره المختلفة.. وغيرها، والأمثلة أمامنا كثيرة في واقعنا الحالي مئات من الشباب الـinfluencer.
وآلاف الشباب في طريقهم لذلك.
المشكلة أيضًا من وجهة نظري.. وقد يراها البعض ليست مشكلة، بل نجاحًا.. وله حق هذه الرؤية، فأنا أطرح وأوثق في نماذج موجودة بالفعل وكيف أراها من منظوري الشخصي، وهي فرحة الآباء والأمهات بأولادهم بمجرد أنه أصبح مشهورًا، أو ظهر على شاشة التليفزيون، وإعجابهم وانبهارهم أيضًا بالفنانين والمشاهير الذين يطلون ببعض البرامج والمسلسلات التافهة، وبالتالي يصل لهؤلاء الأبناء رسائل غير مباشرة وبعضهم مباشرة لاستكمال مشواره هذا بغض النظر عما يقدمه، وكيف وصل لهذه الشهرة، طالما يجني من وراء ذالك المال الوفير.
للأسف لم يخطر ببالنا أو لم يتطرق أولئك الذين يسعون للشهرة إلى فكرة الاستغلال، فربما العائد المادي قادر على أن يجعلك غافلًا عما سيحدث لك، نعم سيتم استغلال كل من له تأثير على شريحة كبيرة من الشباب والجمهور في العديد من الأمور.. في السياسة مثلًا، في تأييد شخصيات بعينها ومواقف قد لا تؤمن بها، في الاقتصاد مثلًا، في الترويج لمنتجات قد تكون غير صحية أو غير إخلاقية أو من إنتاج شركات معادية للإسلام، حتى في الفن مثلًا، قد تجبر على تمثيل دور أنت غير راض عنه، وأيضًا قد تجبر على الموافقة على تصرفات بعيد كل البعد عن مبادئك وأخلاقك وما تربيت عليه.. في النهاية هذا المشهور للأسف أو influencer قد يجبر على فعل أشياء كان في غنى عنها، وإن امتنع عنها وأظهر موقفه الذي يؤمن به ورأيه الذي يقتنع به، إما سيتعرض لحملة تشويه ويصبح منبوذًا من تلك الجماعات التي ساعدته على استكمال مسيرته وطريقه للشهرة وأمنت له حياته ومستقبله ماديًا، أو أن يختار الموقف المسالم وهو الرضوخ لأوامر وتعليمات أولياء أمره ونعمته.
ناهيك عن أن هذا المشهور من الممكن أن يصبح قدوة ومثلًا أعلى للكثيرين من متابعيه، نعم: لا تزر وازرة وزر أخرى، أي لا يحاسب أحد بذنب غيره، وهذا يوم القيامة يوم الحساب يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، لكن في الدنيا النفوس ضعيفة والتقليد أصبح من سمات عصرنا الحالي.
سيذكرني من يخالفني في الرأي أيضًا فكرة البرواز أو التابوه أيضًا، والتي من المؤسف أن نضعها لبعض المشاهير والنجوم الذين نتابعهم؛ لأنهم في النهاية بشر، وأقول لهم نعم تمامًا.. فلقد حان وقت كسر البراويز والتابوهات لكل شخصية صممنا لها برواز واتخدناها في يوم من الأيام قدوة ومثلًا أعلى، ثم تفاجئنا بشخصية أخرى وبمواقف مخذلة أصابت البعض باليأس والإحباط، فهم في نهاية الأمر بشر يخطئون ويصيبون ولهم حساباتهم، وضريبة شهرتهم هذه قد تطرهم وتجبرهم على تصرفات معينة لا تتوافق مع مبادئهم، لكن تتوافق مع لقمة العيش والسبوبة والمصلحة.. لذلك أنا ضد صناعة التابوه، لكن ما أحاول توصيله في هذا المقال مجرد توثيق ونقل وجهة نظري الشخصية التي بالتأكيد لا تعجب الكثيرين، وقد يراها البعض صحيحة والبعض الآخر يراها هراءً وعدم استغلال للفرص، حيث فكرة هوس مواقع التواصل الاجتماعي هوس الشهرة التي أصبحت سهلة ومتاحة أمام الجميع فأنت في منزلك جالس على الكنبة من السهل أن تصبح influencer أو مشهورا ونجم فضائيات، وبالتبعية ستجني الأموال تلك الأموال.
توثيق تلك الفترة التي أصبح الشباب فيها مهووسًا بجمع اللايكات والتعليقات والمشاركات، هوس الحياة الخاصة التي أصبحت على الملأ، والصور الشخصية والمواقف الحياتية الخاصة جدًا لكسب مزيد من التعليقات وبناء مزيد من العلاقات وبعض الصداقات الافتراضية، أو اكتساب خبرات ووجهات نظر مختلفة في موضوعات مختلفة بحسب تبريرهم، هوس بناء علاقات كثيرة في مجالات مختلفة، سواء علاقات حية من لحم ودم أو علاقات إليكترونية، غير واضعين في الاعتبار مساوئ تلك العلاقات، وماذا يمكن أن تجني لنا مزيدًا من الذنوب، مع أنها في الأصل كانت من الممكن أن تكون النية خيرًا، وكان الهدف نبيلًا.
فالسوشيال ميديا بلا شك قربت البعيد، لكنها في حقيقة الأمر بعدت القريب، أصبح الــshaer أسهل وأسرع، بل أحب للكثيرين من المشاركة الحقيقية الفعالة مع أفراد عائلته أو أصدقائه، بكل تأكيد لاحظنا هذا الشخص نادر الجلوس مع أفراد عائلته عل مائدة طعام، هذا الشخص عندما يحين الوقت ويجلس مع عائلته، نجده مشاركًا بجسده لا روحه، إذ ربما يقوم في نفس الوقت بالمشاركة الـsharing لفيديو ما لصديقه، تلك هي المشاركة التي أصبحت أقرب إلى قلبه منهمكا في تلقي التعليقات والرد عليها.
كما أنه كلما تقرب هذا المهووس بمواقع التواصل من خلال متابعيه بنشر صوره الشخصية أو إعلانه عن مواقف بعينها حدثت له، بهدف كسر حاجز المسافة بينه وبين متابعيه عبر حساباته الشخصية.. كلما كبر حاجز المسافة بينه وبين أقرب المقربين إليه.
لاحظتها في الكثيرين.. فبينما هو يحاول بناء علاقات ربما وهمية أو افتراضية لجذب عدد أكبر من متابعيه، يحدث شرخًا كبيرًا في تلك العلاقات الرئيسة والحيوية في حياته، والتي تم بناؤها منذ الولادة، يقل الكلام بالتبعية تقل المشاركة في علاقات تربطها دم ولحم، ومنها يحدث الانعزال والتفكك الأسري والعائلي، ومن ثم التوحد مع تلك العلاقات التي تتم على السوشيال ميديا، فتتفكك الأسرة ومن ثم المجتمع، ويسهل التأثير على كل فرد على حدا، فيؤمن هذا المنعزل أسريا بأفكار وعادات بعيدة كل البعد عن ما تربى عليه في غياب كامل وتام من الرقابه الأسرية حيث دور الأب الهام والمحوري في تلك الجزئية، لكن للأسف الكثيرون من الآباء عندما يجد ابنه أو بنته منهمكا ليل نهار على الإنترنت، يتركهما وشأنهما مبررًا ذلك بأن كل هذا الجيل أصبح ذلك.
ومن هنا اعتقد أنه أصبح من السهل انهيار القيم والمبادئ والأخلاق، أصبح من السهل التأثير والسيطرة على أفكارك وما تؤمن به، أصبحنا في النهاية نعيش واقع مؤلم متهالك خرس أسري وتفكك مجتمعي وانهيار عادات كانت تميزنا عن غيرنا كأمة وشعوب عربية متمسكة بدينها وبعاداتها وتقاليدها.
وستبقى هذه الأسئلة عالقة في ذهني ولم أجد لها إجابات مقنعة وهي.. ماذا لو لم تكن السوشيال ميديا في حياتنا؟ وماذا عن حياتنا السابقة البسيطة؟ هل هذا هو التطور والتقدم الذي يجب أن نواكبه أم أن مواقع التواصل أظهرتنا على طبيعتنا؟ أظهرت الجانب المظلم في حياتنا كشفت لنا حقيقة الأمور حيث الميل إلى الصمت التفكك حب العزلة والانفصال عن الواقع حب الشهرة وكسب مزيد من الأموال دون تعب أو تقديم شيء مفيد ونافع للناس حب الظهور والصيت على حساب أقرب المقربين إليك والذين تجمعك بينهم علاقة دم وقرابة من الدرجة الأولى، هل والداك وأسرتك الصغيرة خذلتك في مواقف عديدة ولم يقدروك، فذهبت لتجد التقدير والإشادة من أناس آخرين على تلك المواقع؟ هل نحتاج دائمًا لسماع كلمة طيبة ولتعليقات إيجابية بصرف النظر عن مصدرها؟ هل هو نوع من أنواع جبر الخواطر التي بسعى البعض لتطبيقه أم الدعم مثلًا الذي نتلاقاه من أناس يشاركونا همومنا وأحزاننا، رغم عدم وجود علاقة قوية تجمعنا.. أم ماذا؟ هل العيب فينا حيث الاستعداد المذهل للاستغناء عن أشياء مهمة وعلاقات حقيقية في حياتنا لأشياء أخرى غير ملموسة وصداقات وهمية تارة أو من لحم ودم تارة أخرى نقضي معهم العديد من الساعات على الإنترنت ونترك من يجاورنا بالساعات صامتًا بلا أي حديث.. أم في مواقع التواصل والإنترنت، هذا البحر الواسع من المعلومات والصداقات، وكل ما يخظر على بالك، والذي يأكل منك الوقت أكلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد