لا يختلف اثنان على أن منصة «فيسبوك» تعد اليوم واحدة من المنصات الاجتماعية الأكثر انتشارًا واستعمالًا في محيطنا العربي تحديدًا والعالم أجمع، في بلدي الجزائر تكاد لا تجد بيتًا واحدًا يخلو من مستخدم نشط في هذه الشبكة، وقدرت آخر إحصائية سنة 2017 أن عدد مستخدمي هذا الموقع قد يتراوح بين 15 و20 مليون نشط شهريًّا، شملت الإحصائية جميع الفئات، وكانت الفئة الأكثر نشاطًا هي الفئة التي تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، والعوامل التي ساهمت في هذا الانتشار كثيرة.

وقد نال التطور التكنولوجي الذي مس سوق الهواتف الذكية، وكذا أنظمة التشغيل، حصة الأسد من تلك العوامل، فضلًا عن سهولة الولوج إلى هكذا منصات، ووجود وسائط عديدة بها يستفيد منها المستخدم، تتعلق أساسًا بالأخبار اليومية، والتواصل السهل، والترفيه.

«فيسبوك» اليوم اقترن اسمه بمصطلح الإدمان، بخلاف مجتمعات أخرى تراه مجرد شبكة اجتماعية لا ترقى إلى أن تكون أولوية يومية تستحق كل هذا الاهتمام.

الملاحظ في الأمر هو السياسات المتعلقة بالمحتوى، فمؤخرًا زاد «فيسبوك» من حدة الرقابة على المحتوى الذي يضعه المستخدمون النشطون في عالمنا العربي والإسلامي، الأمر الذي أسال الكثير من الحِبر، وطرح حالة من اللبس والاستفهام الذي لم يلق إجابة واضحة إلى غاية كتابة هذه الأسطر.

مؤخرًا لوحظ على تطبيقات الشركة الكثير من الأخطاء التقنية، خاصة في تطبيق «فيسبوك» مما أثار حفيظة بعض المستخدمين، تحديثات الشركة الأخيرة أبانت عن رؤية جديدة لها فيما يخص سياسات النشر، وقد مست التحديثات جميع التطبيقات المصاحبة للعلامة الأم، «إنستجرام»، «واتساب»، «ماسنجر»:

أغلب المستخدمين لاحظوا بعض التغييرات على فلسفة فيسبوك، لاسيما تلك المتعلقة بالمحتوى الخاص بالحسابات. خوارزمية «فيسبوك» الجديدة أصبحت بمثابة «مقصلة» افتراضية، مهمتها الأساسية معاقبة كل ما يعتقدونه انتهاكًا للسياسات الأخيرة، فمثلًا المحتوى الفلسطيني اليوم أضحى مقيدًا فوق العادة، وكأن الفلسطيني معنيٌّ بالحصار على «فيسبوك» كذلك!

ولن يكون في وسعك اليوم كتابة كلمة «حماس»، أو «مقاومة»؛ حسنًا أنت مستغرب للأمر! ما رأيك في أن كلمة «الشهيد» لم تسلم هي الأخرى. التضييق يزيد ولا عجب إن أصبحت كلمة «فلسطين» غدًا واحدة من الكلمات المعنية بالحذف!

تلك القيود التي قد تحرمك من حقك في التفاعل والنشر، أو من خدمة البث المباشر بصفة مؤقتة؛ وإن تماديت فحسابك رهن الحذف وفي أي لحظة، والأمر ينطبق على الصفحات كذلك.

من الصفحات والحسابات الفلسطينية التي تعرضت للتضييق والحذف: صفحة المركز الفلسطيني للإعلام، صفحة الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار، وغيرها من الحسابات والصفحات؛ السبب دائمًا «انتهاك» لسياسات النشر الجديدة الخاصة بالمنصة، على حد وصف إدارة هذه الأخيرة، المشكلة كذلك في التأخر في الرد على شكاوي المستخدمين حول التضييق على المحتوى، أو تجاهلها أصلًا.

فيسبوك لم يعد اليوم مساحة آمنة مكرِسة للمعايير والأخلاقيات المهنية والحقوقية، التي لطالما زعم توفيرها؛ فكثير من الصفحات اليوم راجعت سياساتها في النشر بعد أن وجدت نفسها أمام واقع جديد مفروض بقوة «المقصلة»، الحل الأمثل في النهاية هو تحيين المنشورات عبر تفادي الكلمات التي يُشك في أنها معرضة للفحص من طرف الخوارزمية الجديدة.

توالت الأخبار وزادت حول استمرار شركة «فيسبوك» في فلسفتها الجديدة القاضية بالتضييق وبمحاربة الجهات المعادية للكيان الصهيوني، الذي نجح بأساليبه المعتادة في تكييف هذه المنصات نحو منحاه الخاص، بما يخدمه ومصالحه عبر حزمة من الاتفاقيات وقِّعت مع «فيسبوك»، وليس هناك مجال للحياد في قوانين «فيسبوك» الجديدة البعيدة كل البعد عما كانت في السابق.

وحتى نكون على قدرٍ عالٍ من الوعي، منصات التواصل الاجتماعي وعلى رأسها «فيسبوك» شاعت حولها شُبهات كثيرة عن عدم احترامها لخصوصيات منتسبيها، وعلى أنها فعلًا تجمع بيانات المستخدمين المختلفة مع حفظها في قواعدها بشكل منظم؛ كالصور، والمحادثات، وأرقام الهواتف، وأبرز النشاطات (activities) التي يقوم بها المستخدمون، الغرض طبعًا من هذه الإجراءات تجاري بحت، العملية تكون عن طريق تحويل هذه البيانات لطرف خارجي آخر هو بحاجة إليها لمعرفة توجهات وتفضيلات المستخدمين، واستعمالها بعناية في عملية التسويق وتوجيه المتلقين إليها بدقة.

الأخطر كذلك أن الشركة قد طرحت موضوع خصوصية المستخدمين موضِع شَّك، فلا يجب التقليل أبدًا من شأن الأخبار التي راجت مؤخرًا حول إمكانية تعاون سري قد حدث بين هذه المنصة وحكومات دول طلبت معلومات حساسة عن بعض المستخدمين.

اعترف «فيسبوك» مؤخرًا رسميًّا، وجاء الاعتراف ضمنيًّا بأن مصالحه قد انتهكت الخصوصيات رسميًّا، من خلال استماع منظَّم للمحادثات الصوتية التي تبادلها مستخدموه عبر تطبيق «ماسنجر» ضاربًا بذلك احترام منتسبيه وخصوصياتهم عرض الحائط.

كما ذكرت إدارة «فيسبوك» عن عزمها التفكير بتطوير خوارزميات تعمل بالذكاء الاصطناعي خاصة بتطبيق «واتساب» لمراقبة محتوى الرسائل وضبطها، والهدف حسبها فرض سياسة «الكلام المقبول»، كل هذا ضمن سياستها الأخيرة الرامية إلى ضبط المحتوى على حد قولها، وإذا ماعزمت الشركة حقًّا على تطبيق هذه الفكرة؛ فإن الرسائل معرضة للكشف وللفحص ذلك قبل عملية التشفير والإرسال.

إن الكثير من النشطاء السياسيين والشخصيات التي تخالف أيديولوجيات مُلاك الموقع؛ صرحوا مؤخرًا بأنهم تعرضوا لجُملة من المشكلات في حساباتهم وصفحاتهم الخاصة، التي يرفض «فيسبوك» توثيقها، فهي معرضة للحذف في أي لحظة، والظاهر أن الأمر فاق جميع التصورات، ولربما كان الرابط المشترك متعلقًا أساسًا بالآراء السياسية المعارضة لحكومات بلدانها.

حتى نكون منصفين؛ فإن الأمر لا يقتصر على «فيسبوك» وحده، وقد يتشابه الأمر في العديد من المنصات مثل «تويتر» و«يوتيوب»، مما يؤكد وجود شق سياسي وتجاري في التعامل مع مستخدميها، ولا تتعامل بمنطق الحياد والإنصاف مع الجميع.

أخيرًا إزاء هذا التطور الملاحظ في التقييد والتضييق، أضحت مسألة البحث على منصات جديدة اليوم أولوية قصوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد