يصعب في الحياة الواقعية تصور شخص يتحدث مع أبيه حول موضوع في السياسة، ومع أمه حول مستلزمات البيت، ومع صديقه حول مباراة في كرة القدم، ومع زميله حول محاضرات الجامعة في آن واحد.

 يزداد هذا التصور قربًا من الاستحالة إذا أدركنا أن الشخص الذي يريد أن يتحدث مع عديد الأشخاص في موضوعات مختلفة في آن واحد عليه أن يبني منظومة تجمع الأشخاص المتحدث معهم في «زمكانية» واحدة، مع إيجاد آلية تتيح له تنظيم المحادثة شكلًا وموضوعًا.

لحظة! وأنتم تقرأون الوصف الأخير لهذه المنظومة، ألا ترونه ينطبق على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»؟ إذًا الأمر أصبح ممكنًا.

موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» في بداياته لم يكن يهتم كثيرًا بالرسائل ونظام الدردشة، لكن بعد أن تطور تقنيًا في السنوات القليلة الماضية أصبح موقع محادثات بامتياز، مكن المستخدم من أن يرتدي قبعة الشرطي الزرقاء لينظم مرور المحادثات، يتحدث مع العشرات في آن واحد، كل في موضوعه، يتحكم في السياق كيفما شاء بكل مرونة، يوقفه تارة ليبني سياقًا آخر في محادثة جديدة، ويعود إليه تارة أخرى بمجرد إغلاق نافذة المحادثة وفتحها، وكأنها صفارة الشرطي التي ستقرر من يمر ومن يقف.

سلوكات إنسانية جديدة ساهمت التقانة في بلورتها وتفشيها، فأصبح الفرد يفضل المحادثة الإلكترونية على المحادثة الشخصية الطبيعية، بل فضلها حتى على المحادثة عبر وسيط كالهاتف، فالمستخدم يجعل من هاتفه درعًا يحتمي وراءه، قد لا يرد على اتصالك المباشر، لكنه يرد عليك إن أرسلت له رسالة عبر «الماسنجر»، لما يتيح له ذلك من إمكانية التفكير أثناء الإجابة وعدم قطع تواصله مع الآخرين، فهنا ما عليه إلا أن يضيفك إلى منظومته ويمارس عليك سلطة الشرطي.

 قد يرى الكثير منا أن مواقع التواصل الاجتماعي زودتنا بمهارات جديدة ومفيدة بفضل ما وفرته لنا من خصائص تقنية، لكن ما يجب أن نشير إليه في قصة شرطي المرور هذه أن دوره لا يكون دائمًا مثاليًا وناجحًا، فكل واحد منكم يتذكر أنه خلط مرة واحدة على الأقل بين محادثتين مختلفتين، فتجد نفسك ترسل رسالة إلى الشخص الخطأ، أو أن الموضوعات تختلط عليك، فعوضًا عن أن تجيب المعني بالموضوع تجبه بموضوع آخر كنت تتحدث فيه للتو مع شخص غيره، والأدهى والأمر إن كنا نتحدث فقط من أجل أن نتحدث، دون شعور ولا إحساس ولا تركيز، هنا تطرح بإسهاب أسئلة عديدة حول القيمة التواصلية في البيئة التقنية.

وبحديثنا عن فقدان القيمة التواصلية والاهتمام بالتقانة، فإننا نعرج على طرح العالم الكندي مارشال ماكلوهان القائل بحتمية الوسيلة وتمجيدها، وفي مقولته الشهيرة «الوسيلة هي الرسالة (Medium is the message)».

أراد ماكلوهان الإشارة إلى أن اندماج التلفزيون والكومبيوتر وقواعد البيانات جعل من تكنولوجيا الاتصال تبدو براقة وملهمة، لتكون في حد ذاتها غاية للاتصال بغض النظر عن الرسالة، أي أن ما يؤثر في المجتمعات في عصر التقانة هي الوسيلة لا الرسالة، فترى من يشتري هاتفًا أو حاسوبًا أو كاميرا اليوم يشتريها لذاتها، لخصائصها، من أجل استخدامها، ولا ينظر ألبتة فيما تستخدم وماذا يستفيد جراء استخدامها.

بربط الطرح الأخير مع موضوعنا الأساسي، نعود إلى «الفيسبوكي» شرطي المرور، هل يستخدم الصفارة لوظيفة ما، لرسالة ما؟ أم أنه مولع بالصفارة كآلة فيستخدمها؟ هل «الفيسبوكي» اليوم عندما يستخدم نظام الدردشة والمحادثات ينظر بعين الاهتمام إلى ما يرسل؟ أم أن كل الاهتمام الذي شغل ناظريه هو ما يوفره النظام من ميزات؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد