يصحو من نومه متضجرًا لرغبته في استكمال راحة بدنه، ويصرخ على أهله لفقدانه جوربيه «كالعادة!»، ويتساءل غاضبًا عن سبب عدم تجهيز وجبة الإفطار، ينزل إلى الشارع ليجد جاره قد أغلق على سيارته طريق الخروج، ويعاني من أزمة المرور ويكاد يسب كل صاحب سيارة يمر بجواره، ليصل إلى عمله متأخرًا فيجد مديره يقابله بالنظرة العابسة نفسها التي اعتاد «الاصطباح» بها! وبعد جهد جهيد وألم مرير، يجلس على مكتبه ويلج إلى شبكة الإنترنت، ليصل إلى حسابه على الفيسبوك المسجل بشكل دائم على حاسبه المكتبي، فيبدأ أول منشور له: «صباح السعادة!» وقد يسجل حالة «يشعر بالتفاؤل!».

إن هذه الحالة ومثلها الكثير لتدعو إلى التأمل، وتجعل سؤالاً ملحاً يصر على أن يجاب عنه: أين نحن من الفيسبوك، بين الوجه «Face» المصطنع والمواجهة «Face»؟! هل يعبر الفيسبوك فعلاً عن كاتبه؟ هل أثق في شخص وصفات من أتعرف إليه على شبكات التواصل الاجتماعي وأهمها وأوسعها انتشارًا الفيسبوك؟ هل تظهر منشورات أو مشاركات أو تعليقات عن صاحبها بصدق؟ هل تقاس حالة المجتمع في جانب من الجوانب فعلاً عن طريق الفيسبوك؟ هل تعتمد مثلاً حالة الغضب العام على الفيس ضد ظلم ما، دليلاً على قرب زوال هذا الظلم؟ هل تبشر إسلامية المنشورات والمجموعات والصفحات والصور والفيديوهات على الفيسبوك بإسلامية توجه المجتمع؟ أم أن هناك ذاك «الفصام النكد» بين الظاهر والباطن، بين مجرد الرغبة والإرادة والعزم، بين التنفيس والتنفيذ، بين الحقيقة والوهم؟

 

إن ذاك «الفصام النكد» هو الذي يجعل المغترب ثائر الفيسبوك يشعل صفحاته ومجموعاته تحريضًا وتشجيعًا وتثبيتًا للثوار على الأرض، ويفضح الظالمين والمفسدين، ويسخر بكل السبل من «سهوكة» فلان «ومحن» علان، ولا يخاف أو يخشى أحدًا، ويؤكد في كل منشوراته ومشاركاته وتعليقاته ثباته على طريق ثورته حتى النصر، ثم إذا ما مر نفس «ثائر الفيسبوك» هذا على كمين «للمرور!» أطفأ مسجل سيارته الذي يستمع فيه إلى أناشيد ثورية! وربما ارتعدت يداه ظنًا منه أن مخابرات بلاده أبلغت عنه بلده المضيف! وربما خشي أن يفتش شرطي «المرور!» في جواله عن برنامج الفيسبوك خاصته ليكتشف فيه أنه «ثوري!» فيسرع ويلغي تثبيت البرنامج قبل أن يأتي دوره! ثم إذا ما مرت الأمور بسلام، تنفس الصعداء واستعاد روحه الثورية الغاضبة التي «لا تخشى في الله لومة لائم!» وربما نسي في موقفه هذا الذي مر به ما يلقاه الثوار الحقيقيون على أرض الثورة الحقيقية من عنت واعتقال وتعذيب وتشريد ومطاردة وربما قتل! بل ربما ظل يعاتب ويوبخ الثوار الحقيقيين على الأرض لعدم «إبداعهم!» في مواجهة الانقلاب والانقلابيين!

إن ذاك «الفصام النكد» هو الذي يجعل الأب يشارك بقوة على صفحات الفيسبوك ومجموعاته وحواراته في مدرسة تربية الأبناء، تراه يفتي وينظر للآخرين ويشرح كيف يربون أولادهم تربية سليمة صحيحة على أسس علمية، تراه يصحح الأخطاء والمفاهيم ويوضح المصطلحات ويحل المعضلات ويبتكر حلولاً للمشكلات ويقدم النصائح والتوجيهات، يقدم كل ذلك بأسلوب يبهر العقول ويأخذ بالألباب، ثم تجد هذا الأب نفسه في بيته وبين أولاده شخصًا آخر غير الذي تعرفه كتاباته وفتاواه التربوية! تراه بعيدًا كل البعد عن فهم أبنائه وبناته! تراه مخفقـًا في حل مشكلاتهم! تراه عاجزًا أمام احتياجاتهم النفسية والروحية! تراه غافلاً عن حياتهم الاجتماعية وجماعات الرفاق من حولهم! تراه جاهلاً بأسرارهم التي يودعونها آخرين من دونه لبعد الشقة بينه وبينهم! تراه أول من يحتاج إلى النصائح التي ينثرها يمينًا ويسارًا لغيره من الآباء! وليست الأم منه ببعيد!

إن ذاك «الفصام النكد» هو الذي يجعل زوجًا على الفيسبوك يرسم الطريق إلى الحياة الزوجية السعيدة، يدلل على سعادته وروعة حياته، ينصح الأزواج بكل ما يستوعب به احتياجات المرأة، يحلل في منشوراته شخصية المرأة ويعدد أنواعها وأشكالها، ويحدد لكل مشكلة حلاً، ولكل معضلة مخرجًا، يخطط ويضع معالم البيت المسلم السعيد الذي يتفاهم فيه الزوجان ويتكاملان، يفند فيه الشبهات حول إمكانية رعاية بيت على الأرض يكون بمثابة روضة من رياض الجنة، يمهد السبيل أمام كل الأزواج لعبور الجسور نحو المحبة والعشق والود والرحمة في عش الزوجية، يؤلف الكلمات والتعبيرات التي تنبض بالجمال والروعة، وقد ينظم شعرًا في الغرام والهيام ليرشد به غيره في كسب ود زوجته، ثم ترى هذا الزوج نفسه في بيته على غير هذا الوجه! ترى زوجته تشكو عدم فهمه لها ولطبائعها وعاداتها ورغباتها وآمالها وطموحاتها، ترى زوجته تئن من لا مبالاته بمشاعرها وأحاسيسها وعواطفها، ترى زوجته تجد غيره من الرجال أفضل منه وتجد زوجاتهم أسعد منها حالاً وأطيب منها معيشة وأرغد منها حياة وأكثر منها راحة وأوفر منها تقديرًا واحترامًا من قبل أزواجهم، فلا ترى زوجته تعتبره زوجًا ناجحًا بحال، وليست الزوجة في ذلك الشأن على غير ما عليه زوجها!

والأمثلة على ما مضى من شواهد «الفصام النكد» على الفيسبوك أكثر مما تحصى هنا! لكن لنختم بسؤال يشغل القلب قبل العقل: لمن نكتب على الفيسبوك؟ نعلم أن رواده وزائريه يمرون على المنشورات مرور الكرام، لا يشدهم مثل صورة أو فيديو، لا يهتمون لقراءة أكثر من «تويتة» بل وتفتر عزيمتهم عن القراءة إن زاد المنشور عن بضعة أسطر! ورغم علمنا بذلك كله من المثبطات والمحبطات نكتب ونستمر في الكتابة! أتدرون لماذا؟ أزعم أننا نكتب لأنفسنا، نكتب للتنفيس عما يجول بالنفس، نكتب ما نحلم به لا ما نحياه، ننشر خواطر النفس وهمساته لنوهم أنفسنا أننا أطلقنا أسرها، نعوض ما فينا من نقص وحاجة في كلمات، نرسم صورتنا على الفيسبوك كما نراها في أحلامنا ومخيلاتنا، لا تعبر منشوراتنا عنا، لكنها تعبر عما نحلم أن نكون!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

Face
عرض التعليقات
تحميل المزيد