كانت انتفاضة الفتية من أبناء فلسطين مثار دهشة للكثيرين، ممن رأوا بأن عودة جيل ثوار الحجارة والمقلاع، بات أمرا ميئوسا منه، خاصة في ظل مغريات العصر الحديث وانغماس هؤلاء الشباب بارتياد مواقع التواصل الاجتماعي، وعزوفهم عن الحياة الواقعية وهروبهم من أرقها ومشاكلها بقضاء جل أوقاتهم متنقلين في فضاءات الشبكة العنكبوتية.

 
لم تكن التكنولوجيا والأجهزة الذكية، هي فقط ما ظن البعض أن لها القدرة على إماتة الوطن داخل أبنائه، بل مع ممارسة سياسة تكبيل الأيدي وتكميم الأفواه التي مارستها بعض الجهات لكل من يجرؤ ويسعى إلى خلاص من سطوة المحتل، كانت عودة الثوار أشبه بالمستحيل فعلا.

ولكن جاءت الأمور بما لم يخطر على بال أحد، واستطاع هذا الجيل أن يثبت للجميع بأنه على وعي تام بقضيته، بأن المقاومة والانتفاض هي السبيل الوحيد لإنهاء الاحتلال، وبأن مشاريع التسوية والمفاوضات العقيمة لن تنطلي عليه بعد الآن.
أسباب عدة تجعل فلسطيني اليوم هو ذاته ثائر الأمس، ذلك المقدام من لا ينسى قضيته ولا ينسى أنه يرزح تحت احتلال ظالم مقيت، حتى وإن اختلف الزمن وتزينت الحياة من حوله، فهو يعرف تماما أنها زينة زائفة، وأنه تحت سوط المحتل يموت يوميا آلاف المرات وإن كان حياً.

” كثرة الشدة هي التي خلقت الثوار” هكذا يخبرنا إبراهيم نصر الله في روايته “زمن الخيول البيضاء”، وهذا بالفعل ما حدث مع هؤلاء الشباب، تلك الشدة التي قاساها آباؤهم وأجدادهم هي ذاتها التي يقاسونها هم، فالاضطهاد الإسرائيلي للفلسطينيين لم يتوقف يوما، بل مع تعامي العالم وخذلانه للفلسطينيين تمادى هذا الكيان بهمجيته وأمعن بجرائمه، ما زاد من جراح الفلسطينيين وألامهم.

شدة
الآيفون ليس تصريحا لعبور الحواجز الإسرائيلية

أن يمتلك الشاب الفلسطيني أحدث الهواتف الذكية، أو ترتدي الفتيات أحدث الماركات العالمية، فهذا لا يعني أن هؤلاء الشباب والشابات لن يتذوقوا ذل الانتظار ومرارة عمليات الفحص والتفتيش التي يقوم بها جنود الاحتلال عبر الحواجز المقامة بين المدن لعرقلة الفلسطينيين وتعزيز أمن الإسرائليين. ما عاناه أجداد هؤلاء الشباب عند مندلبوم، هو ما عاناه أباؤهم عند حاجز أبوهولي، وما يعانوه هم لدى مرورهم عبر عطارة وقلنديا وحوارة.

أبي أسير وأنا أسير
هذا لسان حال أي شاب فلسطيني، مشهد الاعتقالات والتنكيل بمنازل الأسرى أمام أطفالهم، مشهد بالتأكيد سيبقى راسخا في ذاكرة هؤلاء الأطفال إلى الأبد، هذا وإن لم يتعرض هؤلاء الأطفال ذاتهم لقيد المحتل وسجنه.

الاعتقالات الشرسة التي تشنها قوات الاحتلال من وقت لآخر، دون أي مراعاة لسن أو جنس، كفيلة بأن تخلق جبلا من الفدائيين.

طفل وعشت ثلاثة حروب
ينشأ الطفل الفلسطيني في ظل الاحتلال على رؤية المجازر والمشاهد الدموية، مشاهد تغذي لديه مشاعر الغضب كلما كبر، في غزة مثلا هناك جيل كامل من الأطفال لم تتجاوز أعمارهم الخامسة عشر، مروا بثلاث حروب من أسوأ ما يكون، ورأوا فيها من إسرائيل ما رأوا، فهل نتوقع مثلا أن يكبر مثل هذا الجيل ويقاوم الاحتلال بالورود! بالطبع لا.
مفاوضات واهية وسلام مستحيل

المنتفضون اليوم هم شبان وشابات ولدوا زمن توقيع أوسلو، ولم يروا من هذه الاتفاقية سوى نكبة ثانية تضاف لنكبتهم الأولى، وما زاد الطين بلة مطالبات الساسة بالاستكانة للظلم الإسرائيلي، عبر مفاوضات لا تعبر إلا عن ضعف في الصف الفلسطيني ولا تزيد المحتل إلا بطشا وهمجية، لذا كان شباب اليوم أكثر وعيا بأن طريق التحرير لا يمر فعلا إلا عبر فوهة البندقية أو السكين.

عالم مغيب ولا أحد يزود عن المقدسات

للمدن الفلسطينية بشكل عام مكانة كبيرة في قلوب أبنائها، حتى أولئك المهجرون إبان نكبة 84 ، الذين لم يروا حيفا، ولم تتطأ أقدامهم أرض يافا، لم ينسوا أبدا حقهم في العودة إلى أرضهم، هؤلاء صفعوا بقوة وجه “مائير” التي أخبرت بأن الصغار يكبرون وينسون.

 
وإذا كان الفلسطينيون يرثون حب مدنهم بالفطرة، فما بالك لو مست يد المغتصب، القدس المدينة الأكثر قربا لقلوبهم، بل عاثت تلك اليد فسادا بمقدساتهم، ومنعتهم من ممارسة حقهم في أداء طقوسهم الدينية، وسط صمت عربي وخذلان أممي ودولي.

تعجبت كثيرا حين علمت أن إسرائيل رغبت في اللجوء إلى خبراء في علم النفس لفهم عقلية الفلسطيني، قد كان يكفيها أن تطلع على سجل جرائمها طيلة 67 عام، لتفهم أنها كلما أثخنت في جراح الفلسطينيين كلما كان كيانها أقرب إلى الزوال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد