الجهاز القضائي في الجيش الإسرائيلي مصحوب بما يسمى الإدارة المدنية في إسرائيل يستخدمون مختلف الحيل للسيطرة على أراضي الضفة الغربية، هذا التطور الخطير يضاف إلى سلسلة الإجراءات التي أعلن عنها في فترة الأشهر القليلة الماضية من قبل قوى فاعلة مختلفة في دولة الاحتلال الإسرائيلي، والتي تهدف لتعزيز الاستيطان الإسرائيلي بالضفة الغربية.

لا أستغرب أبدًا أن تلجأ الحكومة الإسرائيلية إلى السماح للمستوطنين كأفراد بإمكانية تملك أراض في الضفة الغربية بصورة مباشرة، هذ الإجراء يسهل بشكل كبير تسلل الاستيطان الإسرائيلي إلى الضفة الغربية دون الحاجة إلى الرجوع للهياكل الحكومية لتنظيم الاستيطان، ويساعد هذا الإجراء في تعزيز قضم الأرض والمقدرات في الضفة الغربية لتعزيز عدم إمكانية إقامة أي كيان سياسي بالضفة الغربية.

كما يعزز هذا الإجراء عدم وجود بيروقراطية في عمليات البناء والسيطرة على الأراضي، مما يساعد في جذب أعداد أكبر من المستوطنين لتبني هذا الخيار، ومع عدم وجود تكلفة قوية لعمليات الاستيطان الإسرائيلي سيتعزز هذا الواقع المؤلم الذي يمهد لتحويل الضفة إلى كنتونات يسيطر الجيش الإسرائيلي على منافذها.

ملامح هذه السياسة تظهر واضحة في تصريحات نتنياهو التي أفاد فيها بتطلعه إلى فرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات والأغوار وشمال البحر الميت، حضّرت طواقم من المستشارين القضائيين في وزارة الأمن والجيش وجهة نظر قانونية وتوصيات تسمح للمستوطنين، بصفتهم الخاصّة، بتملك أراض في الضفة الغربية المحتلة، في فصل جديد للنصب والاحتيال لسرقة أراضي الفلسطينيين بما يتماشى مع مخططات الضم التي تلوح بها حكومة الاحتلال الاسرائيلي عبر السماح المباشر للمستوطنين بشراء أراض في الضفة.

وبهذا تكون دولة الاحتلال قد تخلت عن خيار السيطرة على أرض الضفة الغربية عبر سياسة تسرب الأراضي عبر وسيط ثالث إلى المستوطنين، وأيضًا تخليها تدريجيا عن الإعلان المستمر عن عدد الوحدات السكنية التي تبنيها مما يشكل ضغطًا سياسيًا عليها، وتكون بذلك تبنت سياسة استيطانية يمكن ان نسميها «الاستيطان الإسرائيلي الصامت».

هذه الخطوة تسقط خيار تفكيك المستوطنات غير القانونية من وجهة النظر الإسرائيلية، حيث إذا كان الأمر قانونيًا بحسب ادعائهم من البداية فلا حاجة لتفكيك المستوطنة، الأمر الأخطر من كل ما سبق أن الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية انحصر بشكل كبير في الفترة السابقة في توسيع مستوطنات قائمة بالفعل، لكن هذا الإجراء يفتح الباب واسعًا أمام تأسيس تجمعات ومستوطنات في أي مكان يريده المستوطنون، وبذلك إطلاق شامل ليد المستوطنين للتغول على الضفة الغربية.

أيضًا من الجدير لفت الانتباه إلى أن هذا الإجراء سيسهل شرعنة عشرات المستوطنات القائمة بالضفة الغربية والتي كانت تنتظر إقرارًا لشرعيتها من الحكومة الإسرائيلية، وبهذا تتخطى حاجز الخوف من تفكيكها أو عدم الاعتراف بها، ويتماهى هذا الإجراء مع سياسة إسرائيل تجاه الاستيطان الإسرائيلي منذ تأسيس دولة الاحتلال، حيث كانت تفرض ممارسات على أرض الواقع سياسيًا وعسكريًا بهدف تعزيز الاستيطان الإسرائيلي.

ويظهر اللجوء لمثل إجراء كهذا أن المواقف الدولية من الاستيطان الإسرائيلي غير مؤثرة في تغيير توجهات الحكومة الإسرائيلية في التعامل مع هذا الملف المهم في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، فلا تهتم الحكومة الإسرائيلية كثيرًا بقضية قانونية الاستيطان وإلا لكانت استجابت للدعوات الدولية المطالبة بوقف الاستيطان الإسرائيلي بما فيها قرارات مجلس الأمن منذ قيام دولة الاحتلال عام 1948م.

عدم وجود حل فعال لقضية الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية عزز الذهاب باتجاه تبني السياسة الاستيطانية الحالية بالضفة الغربية من قبل ساسة دولة الاحتلال، إسرائيل نجحت إلى حد ما في تقليل تأثير جماعات المقاطعة في دول كبيرة مثل بريطانيا وأمريكا وألمانيا، عبر الضغط بإصدار قوانين تجرم الانضمام لهذه الحركات، ولذلك أعتقد أن مثل هذا القرار لن يكون له تبعات على الحكومة الإسرائيلية على الصعيد الدولي.

يجب أن ندرك جميعًا أن سبب الذهاب إلى تعمد حصار الوجود الفلسطيني بالضفة الغربية في أماكن محددة وضيقة ليس فقط لأهداف سياسية، إنما يتعدى الأمر إلى وجود أهداف اقتصادية ودينية وأمنية، لذلك علينا بوصفنا فلسطينيين أن نصدر للعالم أن التملك الفردي للمستوطنين على أنه إجراء تم اتخاذه بشكل أساسي للسيطرة على الأراضي بشكل مكثف وسريع لخلق حالة من الأمر الواقع، بحيث يكون المستوى السياسي الإسرائيلي قادرًا على الاستفادة من هذا الواقع في مفاوضات الحل النهائي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد