«وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين».

لقد منّ الله على المسلمين إذ بعث فيهم الهادي، المهدي، المصطفى، الأمين، خير خلق الله، وأنزل معه الكتاب بالحق. كانت سنته خير منهاجٍ أرسل، وكان هديه خير سبيل يتبع، هدانا الله بهديه، وكان لزامًا على من اتبع منهاجه وشريعته، أن يكون من خير الناس، وأن يلحق به من الحُسن الكثير، فقال صلى الله عليه وسلم: «من يُرِد اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهه فِي الدّين».

لا شك في أن الإنسان بطبعه، ينحاز إلى البحث عن أيسر الأمور، واتباع أبسطها، وقد كان أكثر البشر علمًا بطباع الناس هم الرسل، ويمثل ما حدث من حوار بين سيدنا محمد وسيدنا موسى عندما فرضت الصلاة، المثال الأكبر على خبرة سيدنا موسى بحال الناس، عندما أمر سيدنا محمدًا أن يطلب من الله تعالى التخفيف فقال له «إِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ».

وكان الله – عز وجل – الأعلم بشؤون عباده، ففرض الله بدائل للمسلمين في حالاتهم الخاصة، ففرض التيمم لمن لم يجد الماء للوضوء، وفرض الله عز وجل من التيسيرات الكثير في كتابه، شملت المسلمين في جميع شؤون حياتهم، فتجد تيسيرًا للمريض، وللمسافر، والكثير من الحالات، وكان من رحمة الله ألا يشمل عقابه عز وجل الذين يسهون، والذي يجهل الحكم الفقهي، والمجبر.

وكان أيضًا الاختلاف بين العلماء في شؤون الدين هدفه التيسير على الناس في قضايا الدين والدنيا، وتمثلت في جميع الفروع بلا شك، ففي أحكام الطلاق، كان من التيسير ما حكمه شيخ الإسلام ابن تيمية، في حالة الطلاق ثلاث طلقات، إذ تقع طلقة واحدة، على جميع أوجهها، وكان للشافعي العديد من الفتاوى للتيسير على المسلمين، كحكم غسل الرأس في الوضوء، فقد أجاز الشافعية مقدار ولو شعرة واحدة في مسح الرأس في الوضوء.

ولكن التشريع الإسلامي بما حواه من تيسيرٍ على المسلمين، لا يعني أن نتناسى ما كان صارمًا في بعضها، فإذ يروي أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ وأتبِعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُهَا وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ» رواه الإمام أحمد والترمذي.

يدل الحديث على سماحة الدين الإسلامي في كون الحسنات يذهبن السيئات، ولكن عند تهاونك لسماعك هذا الحديث، تذكر قوله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «لأعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله عز وجل هباءً منثورًا» قال ثوبان: يا رسول الله صِفهم لنا،جَلِّهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: «أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها!». 

يقول الله عز وجل: (فَاللَّـهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) التوبة: 13، وكن كتلك المرأة التي راودها صاحبها، وقال: فإننا في مكان لا يرانا فيه أحد. فالتفتت إليه، وقالت: إذن أين الله؟ وآخر لما قال إننا في مكان لا يرانا فيه إلا الكواكب. قالت: أين مكوكبها؟

هذه مشكلة الكثير منا، أنا نتعلق برحمة الله وكرمه وجوده ومغفرته وحبه لتوبة التائبين، وليس في ذلك عيب، إلا أننا جعلناه بابًا للوقوع في المعاصي وما تأملنا عظمة الله وهيبته وغضبه وعذابه.

وفي حديث آخر لرسول الله يذكر فضل صلاة الجماعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، يدل إن دلَّ هذا الحديث على الأجر العظيم لصلاة الجماعة، وأيضًا عند قراءتك لهذا الحديث، تذكر قول الإمام الغزالي رحمه الله: إن الرجل ليسجد السجدة يظن أنه تقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى ووالله لو وزع ذنب هذه السجدة على أهل بلدته لهلكوا، سئل كيف ذلك؟ فقال: يسجد برأسه بين يدي مولاه، وهو منشغل باللهو والمعاصي والشهوات وحب الدنيا، فأي سجدة هذه؟!

ويقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الرجل ليشيب في الإسلام ولم يكمل لله ركعة واحدة! قيل: كيف يا أمير المؤمنين، قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها. ويقول سبحانه وتعالى: «ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله»، فاستشعر أنك أنت المخاطب في هذه الآية، وأنها تعنيك أنت.

ويتبادر في ألفاظنا الكثير من المصطلحات التي تعقب آثامًا نجهلها، كقولنا «توكلت على الله وعليك» للوهلة الأولى ترى وجود لفظ التوكل على الله فتستهينها، ولكن قال الله عز وجل: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: 3]، وتوضح الآية دلالة عدم عطف توكل شخص على توكلك على الله، أو حتى لذكره وحده.

وعند سماعنا للفتاوى التي تختلف للتيسير نجهل ما يوجد بجانبها، مزجرًا منه، فعندما خفف الشافعية في حكم غسل الرأس، كان هذا لفتوى يرونها صحيحة، ولكن لا تحتمل العكس تمامًا حسب ظنهم، ولكن إذا نظرنا إلى غسل الكعبين في الوضوء، فيلزم أن تغسل قدمك حتى الكعب بالكامل، وقد قال صلى الله عليه وسلم عن الذين لا يُتمّون غسل أقدامهم في الوضوء: «ويلٌ للأعقاب من النار».

وإن عدنا لسماحة الدين الإسلامي، فقد قال الله تعالى: «إنَّ اللهَ يَغفرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا»، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون».

إن كان من توفيقٍ فمن الله، وإن كان من نقصٍ فمني ومن الشيطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد