إذا كان الطعام غذاء الجسد، فالقراءة غذاء العقل، وكما نختار غذاء مناسبًا لأجسادنا، كذلك يتوجب علينا اختيار غذاء مناسب لعقولنا؛ فعالم الكتب كعالم الطعام تمامًا يوجد فيه الغث، والسمين، والمفيد وغيره، ولا بد من اختيار ما يتناسب مع عقولنا، مثلما نختار ما يتناسب مع أجسادنا، ودوافعنا في القراءة عادة ما تكون مبنية على شيئين رئيسين، وهما احتياجات واهتمامات، أما قراءة الاحتياجات فهي في العادة أكثر نجاعة من الأخرى وأقرب منها للتطبيق من عالم التنظير، كالقراءة في مجال التخصص أو تطوير المهارات، وإثراء معارف أما بالنسبة للقراءة في مجال الاهتمامات، بغض النظر إن كانت واقعية أم خيالية، فهي بلا شك ناجعة، لكن بطبيعتها لا تؤتي أُكلها إلا على المدى الطويل.

قد يسأل سائل ما فائدة القراءة، وهو يصبر نفسه يقرأ كتابًا، كتابين ثلاثة، يريد بذلك فائدة آنية لقراءته، وهو يجهل أن محصول القراءة لا يأتي هكذا بضربة واحدة من عصا سحرية، ولكن بعد تراكم معرفي على المدى البعيد، والقارئ لا يدرك – على الأغلب – الى أين تصل به نتيجة اطلاعه، فربما يتحول إلى باحث في مجال ما، نتاج إلمامه وشغفه به، كما يحدث لبعض القراء، أو ربما يتحول إلى أديب أو خطيب؛ بسبب ثراء قاموسه اللغوي، نتاج قراءاته في مجال الأدب والبلاغة كردة فعل طبيعية لقراءاته، وقد ينتفع بمعلومة تغير فهمه للحياة أو تغير نمط تفكيره، وكلما نهل من الكتب أكثر ازداد وعيه وإدراكه للأمور، مثلما قال الجاحظ في الكتب تجد من أفواه الرجال في شهر ما لم تجده في دهر! أو كما قيل بأن الكتاب هو معلم صامت أو حكيم راقد. وتختلف دوافع القراء في ممارستهم للقراءة فمنهم بدافع العادة أو المتعة، وقد تكون بقصد إشباع فضولهم المعرفي وجلهم ينتفعون بما ينهلونه من بطون الكتب من كنوز نفيسة ولو بعد حين.

تحديد الكتب كتحديد الطعام، وعامل اختيار الكتب المناسبة ضروري في استمرارية عملية القراءة لدى أي قارئ كان، وذلك حتى لا يأخذ انطباعًا سيئًا عنها، فاحتمالية استمرارنا في القراءة مرهون حسب اختياراتنا الجيدة للكتب المفضلة التي تشبع رغباتنا وترضي شغفنا المعرفي، فدائمًا ما نجد بعض القراء يشكو الملل من القراءة والاختيار المناسب للكتب أكبر مكافح ضد هذا الملل، فعادة القراء، لاسيما المبتدئون منهم، ما يغتر باليافطات الرنانة لبعض الكتب التي لا تمت لمحتوى الكتاب بأدنى صلة، مما يجعل القارئ يفقد ثقته بالمؤلفين مبكرًا، من ثم الكتاب والقراءة، وأيضًا عامل الانغلاق حول الذات أو القراءة لتوجه محدد من أهم أسباب العزوف عن القراءة؛ لأنها تدفع القراء نحو الملل بسبب التكرار الممل للمعلومات، أما القراءة المتنوعة فتشكل أهم دافع للاستمرار في القراءة، وتقضي على الملل المصحوب بها.

بعد اختيارنا للكتاب المناسب ينصح بتخطيط زمن محدد للقراءة، ولكي نفعل هذا لا بد لنا من كسر هيبة الكتاب، وذلك بقراءة مقدمته وفهرسه، وأخذ نظره خاطفة إليه؛ فعامل التخطيط وكسر الهيبة مهم جدًّا لتحديد زمن معين لمدة القراءة وبعدها لكل طقوسه المختلفة في القراءة، فالبعض يفضل ممارسة القراءة مع شربه للقهوة أو الشاي، والآخر القراءة عنده في أي وقت فراغ كان أو في أي مكان يكون فيه، ولكل طرقه المختلفة والمتنوعة، والعامل المشترك بينهم جميعًا هو الاستفادة من الوقت واستثماره فيما يعود عليهم بالمنفعة.

عنصر الاحتكاك بالقراء والمشاركة في أندية الكتاب من أهم عوامل التشجيع على القراءة التي ينصح بها، فنحن نشاهد في مجتمعات أخرى كيف أن سكان الحي الواحد لديهم أندية قراءة، وكذا في الجامعات، والمعاهد، وزملاء العمل؛ فعامل الاحتكاك يساهم إلى حد كبير في شحذ همم القراء، ويبين لهم وجهات نظر مختلفة ومتنوعة في موضوعات شتى؛ مما يزيد من ثراء معارفهم والاستفادة من خبرات غيرهم وقراءاتهم المتنوعة، وتتيح هذه التجمعات الثقافية للقراء طرح آرائهم حول محتوى الكتب وقياس مدى إدراكهم لمعانيها؛ فتساهم بذلك في إثراء مداركهم.

هنالك أيضًا مواقع إلكترونية مفيدة وكثيرة مثل good reades مثلًا خاصة بالقراء تتيح لهم طرح آرائهم حول الكتب والكتاب بحرية، وتسمح لمعرفة الكثير والكثير من الآراء حول الكتب المختلفة، وهي تعتبر أندية قراءة لكنها في عالم افتراضي، وأيضًا تجري فيها نقاشات بين القراء حول الكتب، وكذلك تتيح للكُتَّاب التواصل مع جمهورهم في فضاء إلكتروني واسع النطاق، يتيح للجميع التواصل معًا، ويسمح بتجمع ذوي الاهتمامات الواحدة سوية في مجموعات محددة تساهم في عملية تبادل المعرفة فيما بينهم.

يقول الروائي ميلان كونديرا من السهل جدًّا أن تصطاد أرنبًا لكن هنالك صعوبة بالغة ستواجهها كي تصطاد قراء، لذلك ننصح القراء بالتركيز على أسماء المؤلفين الذين تمكنوا من إقناعنا، والبحث عن جديدهم؛ فإقامة علاقة صداقة مع المؤلفين الذين يكسبون ثقتنا مهمة جدًّا، تعطي دافعًا قويًّا نحو القراءة، فمع الوقت واستمرارنا في القراءة يصبح لدينا أصدقاء كثر من المؤلفين، يكفي أن تكون أسماؤهم موضوعة في أغلفة أي كتاب حتى نقتنيها بكل ثقة، بل ننتظر صدور جديدهم بفارغ الصبر.

أخيرًا شئنا أم أبينا، فالقراءة هي بنت العادة، وتكوين العادات أو الإقلاع عنها من أصعب الأشياء على الإنسان، ولكي نكون قراء متمرسين يتوجب علينا غرس عادة القراءة في أنفسنا بقدر المستطاع؛ فالإنسان بطبعه ابن العادات، وهناك عادات بطبيعة الحال سيئة نمارسها مثلما نمارس عادات حسنة، وعلينا غرس هذه العادة في أنفسنا وتوطيدها، وكذلك علينا غرسها في نفوس أطفالنا لكون سن الطفولة أهم سن لغرس العادات، حتى إن أهل الاختصاص أشاروا بأن السن الرسمي الذي ينصح به تعليم القراءة للأطفال هو الشهر السادس، وذلك من خلال قراءة القصص المصورة الخاصة بهذه الفئة العمرية إلى أن يتمكنوا من القراءة معتمدين على أنفسهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد