“عزيزي، أنا على يقين بأنني سأجن، ولا أظن أننا قادرون على الخوض في تلك الأوقات الرهيبة مرة أخرى، كما لا أظن بأنني سأتعافى هذه المرة”. (1)

 

مليون شخص يحاولون الانتحار (قتل أنفسهم عمدًا) سنويًّا بمعدل شخص كل 40 ثانية، ويمثل الانتحار السبب العاشر من أسباب الوفيات عالميًّا، وبحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية يمثل الانتحار 1.4 % من أسباب الوفاة كل عام، وتعتبر نسبة الانتحار في ليتوانيا هي الأعلى عالميًّا بمعدل 34.1 لكل 100 ألف مواطن.

 

خلال الستة عقود السابقة من عام 1950 إلى عام 2009، انتقلت مشكلة الانتحار من غرب أوروبا إلى شرقها، ومؤخرًا إلى آسيا متمثلة في الصين والهند وكوريا الجنوبية.

 

عربيًّا تحتل البحرين المعدل الأكبر للانتحار بمعدل 3.8 لكل 100 ألف مواطن، تليها الكويت، ثم مصر بنسبة 0.1 لكل مائة ألف مواطن، بتعداد 52 حالة انتحار مسجلة رسميًّا عام 2009. (2)

 

“لقد بدأت أسمع أصواتًا وفقدت قدرتي على التركيز. لذا، سأفعل ما أراه مناسبًا. لقد أشعرتني بسعادة عظيمة ولا أظن أن أي أحد قد شعر بسعادة غامرة كما شعرنا نحن الاثنين سويًّا إلى أن حل بي هذا المرض الفظيع”.(1)

 

90 % من الأشخاص الذين حاولوا الانتحار يعانون من مشاكل نفسية، ويعتبر الاكتئاب أكثر مرض نفسي يرتبط بالانتحار، وخاصة إذا ظهرت على المكتئب أعراض إيذاء النفس قصدًا، وفقدان الأمل ومحاولة الانتحار، بجانب الاكتئاب يعتبر الاضطراب ثنائي القطب (Bipolar disorder) والفصام واضطراب تشوّه الجسد من أكثر الأسباب النفسية المؤدية للانتحار.

 

بجانب الأسباب النفسية يوجد أسباب أخرى للانتحار، مثل التعرض لاعتداء جنسي وخاصة في فترة الطفولة، وكذلك الاعتداء الجسدي. (3)

 

“لست قادرة على المقاومة بعد الآن، وأعلم أنني أفسد حياتك وبدوني ستحظى بحياة أفضل. أنا متأكدة من ذلك، أترى؟ لا أستطيع حتى أن أكتب هذه الرسالة بشكل جيد، لا أستطيع أن أقرأ”.(1)

 

من 23.4 إلى 26.2 % ممن حاولوا الانتحار يتركون رسالات انتحار سواء مكتوبة أو مسجلة صوتيًّا أو مصورة.

وبحسب عالم النفس أولسن فإن المنتحر يترك رسالة انتحار لأسباب مختلفة منها: كتابة سبب الانتحار، أو تخفيف الألم عن المحيطين به حتى لا يشعروا بالذنب، أو لزيادة الألم عند المحيطين به وإشعارهم بالذنب، وبأنهم سبب انتحاره، ونادرًا ما يترك المنتحر رسالة يعترف فيها باقترافه لجريمة ما.(4)

 

“جل ما أريد قوله هو أنني أدين لك بسعادتي. لقد كنت جيدًا معي وصبورًا علي. والجميع يعلم ذلك. لو كان بإمكان أحد ما أن ينقذني فسيكون ذلك أنت. فقدت كل شيء عدا يقيني بأنك شخص جيد. لا أستطيع المضي في تخريب حياتك ولا أظن أن أحد شعر بالسعادة كما شعرنا بها.”(1)

 

وبحسب الدليل التشخيصي والإحصائي للاضرابات النفسية الذي تصدره الجميعة الأمريكية للأطباء النفسيين في نسخته الخامسة DSM V، أُدرج الانتحار بمسمّى اضطراب السلوك الانتحاري تحت باب الاضطرابات محل الدراسة.

 

وللانتحار أسباب يشترك فيها العديد من العوامل الاجتماعية والنفسية والبيولوجية، وممن درس الانتحار من منظوره الاجتماعي عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، الذي وضع نظريته الاجتماعية للانتحار في كتابه الانتحار، الصادر عام 1897، وأوضح أن الانتحار له ثلاثة أنواع، وهي: أناني وإيثاري ولا معياري.

 

فالانتحار الأناني يوجد غالبًا في المجتمعات التي يكون فيها الفرد غير مندمج في التجمعات الكبرى سواء دينية أو سياسية، وأرجع ذلك إلى عدم وجود روابط قوية بين المنتحر وبين مجتمعه تحميه من تحطيم الذات.

 

أما الانتحار الإيثاري فهو على العكس من الأناني يسود في المجتمعات التي يندمج فيها الفرد في التجمعات الكبرى، ولكن هذه التجمعات تدفع الفرد دفعًا إلى الانتحار، وغالبًا ما تكون هذه التجمعات ذات أفكار سوداوية.

 

النوع الثالث هو الانتحار اللا معياري، ويكون في المجتمعات التي تمر بتغيرات واضطرابات ضخمة سواء اقتصادية أو سياسية بالإيجاب أو بالسلب.

 

دارسو الانتحار لا يقتنعون بوجود تفسير نفسي منفرد يستطيع وضع حل لتفسير ظاهرة الانتحار، ولكن التفسير السيكودينامي قد نتعلم منه الكثير؛ حيث يقول إن خيال المنتحر هو الذي يقوده إلى وضع حد لحياته، حيث يفكر في عواقب إقدامه على الانتحار، فإن أمنياته قد تصل إلى القوة أو الانتقام أو ابتعاث نفسه بطريقة جديدة أو عقاب من حوله، ويرى آرون بيك أن فقدان الأمل هو السبب الرئيس للإقدام على الانتحار لمريض الاكتئاب، خاصة إذا كان الاكتئاب طويل الأمد.

 

أخيرًا فإن الدراسات البيولوجية قد أوضحت وجود بعض العوامل الكيميائية والجينية المرتبطة بالانتحار، فمن العوامل الكيميائية نقص مادة السيروتونين في المخ، وبالدراسة الجينية توصلوا إلى أن نسبة الانتحار تزداد في عائلات دون غيرها، واكتشفوا وجود خلل في بعض الجينات في أجساد من حاولوا الانتحار مثل الجينTPH المسئول عن تخليق مادة السيروتونين.

 

بعض الحقائق عن الانتحار:
معدل الانتحار في الذكور يمثل أربعة أضعاف معدله في الإناث، ويزداد الانتحار بزيادة السن، واثنان من كل ثلاث محاولات للانتحار يرتكبها ذكر صاحب بشرة بيضاء، يقل الانتحار في المجتمعات المتدينة عنها في غير المتدينة، وبالنسبة للمسلمين والرومان الكاثوليك فإن معدل الانتحار لديهم أقل من البروتستانت واليهود. الشخص المتزوج أقل عرضة للانتحار من غير المتزوج. (5)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Working with suicidal individual P. 9,10
4- Olsen, Lenora (2005). The Use of Suicide Notes as an Aid for Understanding Motive in Completed Suicides (Thesis). University of Utah
5- Kaplan & Sadock’s synopsis of Psychiatry 9th Edition 34.2 Pages 913-922
عرض التعليقات
تحميل المزيد