في خضم خوفنا ورفع رايات دفاعاتنا ضد الوباء الذي تسبب به فيروس كورونا، وكعاداتنا نحن البشر حين نتناقل الأخبار، بدأنا نختلق الخرافات والمفاهيم الخاطئة على اختلاف مستوياتنا الثقافية. وقد يكون ذلك إما جهلًا بالشيء ومحاولة لمجاراة الأحداث، وإما محاولة لخلق نقطة تفاهم وتبسيط الأمور على الأشخاص غير الملمين بالأمور العلمية أو الطبية بشكل خاص، أو بسبب الخوف الذي خلق بقعًا عمياء في مرايا معرفتنا.

حين نتحدث عن فيروس، فنحن نعرِّفه على أنه كائن غير حي، أو عامل ممرض، فهو غير حي بذاته. لا يستطيع الحركة، أو الأكل أو الشرب أوالقيام بعملياته الحيوية بنفسه، أي إنه يتوجب عليه أن يجد كائنًا حيًّا ليدخل في جسده، فيستعين به للتكاثر. على خلاف البكتيريا مثلًا، أو الطفيليات كالأميبا، التي هي خلايا حية قائمة بذاتها، تتحرك وتأكل وتتكاثر. لذلك فمن الخطأ التام أن نقول بأنه بإمكاننا قتل الفيروس، فهو ليس بكائن حي أصلًا، وإنما الصحيح هو باستخدام كلمة «التخلص منه». وهذا الاختلاف مهم جدًّا في عملياتنا الدفاعية ضد المرض كما ‏سأشرح لاحقًا.

إن الفيروس حقيقة لا يتعدى كونه غلافًا يحتوي بداخله على مادة وراثية، وتختلف الفيروسات في شكلها وبروتيناتها والمستقبلات الموجودة على غلافها، ونوع المادة الوراثية بداخلها.

قد نستطيع تشبيه ذلك بالبالونات ذات الأشكال والألوان المختلفة، والمصنوعة من مواد مختلفة، لكنها لا تتعدى – باختصار – كونها غلافًا مطاطيًّا أو بلاستيكيًّا يحتوي بداخله على الهواء العادي أو غاز الهيليوم.

هذا الغلاف يتكون من بروتينات ودهون وسلاسل من سكريات متعددة (Polysaccharides)، والتي تكون المستقبلات.

لذلك نحتاج إلى فرك اليدين والأسطح جيدًا بمنظف أو معقم للتأثير على مكونات الغلاف، إما بإذابتها وإما تشويهها. وهذا ما تفعله المعقمات من كحول وفينول وكلور، لكنها تحتاج إلى 20- 30 ثانية على الأقل لإتمام التفاعل والقضاء على الفيروس. أما استخدام الماء والصابون فذلك محبذ أكثر لما له من أثر في إزالة جزيئات الفيروس المشوهة والمضعفة والمقتولة، والتي لم تتأثر أيضًا، وذلك من خلال خواص الصابون المزلقة؛ ففي كل جزيء من الصابون جزء رأسي أنيون محب للماء، وجزء ذيلي عبارة عن سلسلة ألكلية هيدروكربونية محبة. ولأن الصابون قلوي في طبعه لاحتوائه على مادة الصودا، فإنه يعد نوعًا ما معقمًا. ولجميع الأسباب السابق ذكرها، يفضل استخدام الماء والصابون في التخلص من الجراثيم والعناية بالنظافة.

ولأن الفيروس مختلف عن البكتيريا في تكوينه، فالبكتيريا خلية حية تتحرك وتأكل وتتكاثر وحدها، فإن طريقة العلاج والمواد العلاجية مختلفة. حيث تعالج البكتيريا بالمضادات الحيوية، بينما تعالج الفيروسات بالإنترفيرون (Interferon)، وهي مواد بروتينية تفرز بشكل طبيعي من خلايا الجسم الدفاعية، أو تنتج صناعيًّا باستخدام تقنية الحمض النووي المعاد التركيب أو المعدل جينيًّا (Recombinant DNA). هذه الإنترفيرونات عبارة عن ثلاثة أنواع: ألفا، بيتا، غاما، وهي مواد منبِّهة للجهاز المناعي وتعمل على تعزيزه في حشد جميع الخلايا المناعية للقتال ومواجهة الفيروس، وليست مهاجمة بطبعها بشكل مباشر للفيروسات.

هذه المواد ذات آثار جانبية قد تصل للخطورة الشديدة تبعًا لنوعها وتبعًا لاستجابة الجسم لها؛ فقد تصل خطورتها لفشل كبدي أو الاكتئاب والانتحار، والموت أحيانًا. لذلك فهي ليست كالأدوية العادية التي تناولها.

ولأن الفيروس عبارة عن عامل ممرض غير حي، ولأنه يدخل خلايا الكائنات الحية ليستخدمها في التكاثر، يحدث التغيير في مادته الوراثية أثناء التضاعف للمادة الوارثية في الخلايا، حيث قد تتداخل جيناته وجينات الخلية الحية التي يتكاثر في داخلها لتكوين جينات جديدة، إما بحدوث الطفرات لتصبح مقاومة لمادة معينة مثلًا، أو قادرة على الانتشار بشكل أكبر، أو قادرة على العيش في عوائل مختلفة من المملكة الحيوانية، وإما يتم دخول جينات جديدة كليًّا إلى المادة الوراثية للفيروس، الأمر الذي يجعل الفيروس وباء في بعض الأحيان بعد أن كانت الأجهزة المناعية قادرة على التعرف إليه ومهاجمته. فكفاءة الجهاز المناعي غالبًا تعتمد على القدرة على حشد جميع الخلايا الدفاعية للمهاجمة، بالإضافة إلى القدرة على تسجيل ظروف الإصابة بالفيروس وتذكرها؛ من شكل الفيروس ومكوناته، والطريقة الفعالة للتخلص منه، وهذا يجعل سرعة الاستجابة أكبر، وهذا تمامًا ما يعمل عليه استخدام المطاعيم واللقاحات ضد الأمراض المختلفة، وبالتالي استطاع البشر التخلص من العديد من الأوبئة على مر السنوات من خلال شحذ مناعة البشر ضد الفيروسات بأحدث أشكالها.

وإن أحد طرق مواجهة الفيروسات هي الأمصال، عن طريق حقن الفيروسات في أجساد الحيوانات مثل الأحصنة والأرانب،  وانتظارها لتكون خلايا مناعية وأجسام مضادة ضد الفيروس، ليجري تصفيتها من الدم وحقنها في المصابين، أو استخدام دم المصابين من البشر مباشرة بعد شفائهم بتقنية تسمى (Convalescent plasma therapy) لاستخراج الأجسام المضادة وإعادة حقنها في المرضى الآخرين للمساعدة على تحفيز الجهاز المناعي، واختصار الوقت في مقاومة المرض بأجسام مضادة جاهزة بدلًا من انتظار تكوين الجسم لها ثم البدء بالهجوم.

ونأمل أن يجري التوصل إلى لقاح جديد خاص بالمرض قبل مضي شهر آخر، فقد تم التوصل إلى تسلسل المادة الوراثية كاملة للفيروس ونشرها على المواقع المختصة علنًا في شهر يناير (كانون الثاني) عام 2020، حيث تم التوصل إلى أن الفيروس كورونا (كوفيد -19) يحتوي على أربعة أجزاء مختلفة في المادة الوراثية عن الفيروس الأصلي، والتي كانت دراسة هندية قد أوضحت أنها تتشارك وأجزاء في فيروس الإيدز، وهو ما جرى دحضه فيما بعد، وتم سحب المقال.

وقد بدأت محاولات العلاج بواسطة المضاد الحيوي الأزيثرومايسين، ومضاد الملاريا هيدروكسي كلوروكوين، ومضاد الفيروسات الجديد (Remdesivir) لتحظى بنتائج مبشرة.

وإن النظرية التي تعمل عليها الأدوية: أن الهيدروكسي كلوروكوين هو مادة منافسة للفيروس على مستقبلات الخلايا، مما يمنع الفيروس من الارتباط بالخلية وبالتالي إدخال مادته الوراثية داخلها والتكاثر. أما المضاد الحيوي الأزيثرومايسين، فهو يمنع التهابات المجرى التنفسي الناجم عن البكتيريا المصاحبة للفيروس، والتي تعمل على التهابات خطيرة في الرئتين.

وأما مضاد الفيروسات ريميديسيفير، فإنه عبارة عن مادة مماثلة للقاعدة النيتروجينية الأدينوسين، وهي إحدى القواعد النيتروجينية الأربع المستخدمة في بناء المادة الوراثية. حين ترتبط بالإنزيم المسؤول عن مضاعفة المادة الوراثية الخاصة بالفيروس، فإنه يعمل كغطاء مانع لاستكمال العملية، وبالتالي لا يتضاعف الفيروس.

وفي نقطة نهائية، ألا وهي انتقال الفيروسات؛ فإن الفيروسات قد استطاعت الانتقال خلال جميع العصور السابقة عن طريق خروجها مع سوائل الجسد تبعًا لنوعها، فالفيروسات التي تصيب الجهاز التنفسي تخرج مع المخاط والريق، لذلك فإن العطس والسعال في الهواء أو في وجه أحدهم، أو في اليدين ثم استخدامهما في المصافحة والقيام بالأعمال دون تنظيفهما، هي الطامة الكبرى في انتشار العدوى على مستوى واسع، فطريقة دخول الفيروس إلى الجسم غير المصاب يكون عبر الأغشية المخاطية في العين والأنف والفم، لذلك فإن الاهتمام بالنظافة الشخصية واستخدام وسائل النظافة من مناديل وكحول وصابون وماء هي أمور بسيطة جدًّا، لكنها تمنع انتشار المرض على مستوى واسع، وتساعد في القضاء على الأوبئة والحد من انتشارها في زمن ما زلنا فيه نتعلم النظافة الشخصية، بالرغم من جميع التطورات التكنولوجية والثقافية والفكرية التي وصلنا إليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد