سبحان الله، في النفس: كِبرُ إبليس، وحسدُ قابيل، وعُتُوّ عاد، وطغيانُ ثمود، وجرأة النمرود، واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقِحة هامان، وهوى بلعام، وحِيَلُ أصحاب السبت، وتمرّد الوليد، وجهلُ أبي جهل. ابن القيم – الفوائد.

1

حكاية تُنقل في كُتب السلوك والتصوف أن رجُلًا ظل عشرين عامًا يُصلي في الصف الأول ولم يتخلف مرة، وفي يوم تأخر يسيرًا فصلى في الصف الثاني. فلما انتهى من صلاته نظر إليه الناس فوجدوه في الصف الثاني. فخجل من نفسه أن قد رأوه في الصف الثاني، فعلم أن فرحه في عشرين مضت كانت بنظر الناس إليه.

وهذا هو الحال مع كثير من معاني الحياة. لا تنكشف إلا بمواقف كاشفة. وإن شئنا الدقة فلنسمِّها (فاضحة). تفضح الإنسان أول ما تفضح أمام نفسه، تجعل الخجل يعتريه كلما نظر لنفسه في مرآة الزمان.

مما يُروى (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا) ونزيد بأن (الناس في عافية فإذا اُختُبروا = انكشفوا) وهذا المعنى هو معنى الحياة الأول: نُبلى ليعلم ربنا – علمًا يُحاسبنا عليه – أيُنا أحسن عملًا!

وفي الأحباب مختص بوجد *** وآخر يدعي معه اشتراكا

إذا اشتبكت دموع في خدود *** تبين من بكى ممن تباكى

فأما من بكى فيذوب شوقًا *** وينطق بالهوى من قد تباكى

2

المُثل العُليا، الحِكم العظيمة، المعاني النبيلة، الحكايات التي تطرب لها أرواحنا، والتي تمنينا أن نصير أبطالها في التضحية والفداء يومًا. المعاني التي تُصيغ لنا الحياة في قالب سماويّ نعانق فيه القمر = ما يلبث كثيرٌ منها أن يتلاشى في لحظة اختبار حقيقية.

لحظة وموقف وكلمة وفعل وردة فعل تخبرنا جميعًا أننا وثقنا في الأشياء من حولنا أكثر من اللازم، ووثقنا في أنفسنا دون داع! وأن ثقتنا هذه كان لابد لها من أن تُختبر ليُعلم صدقها من زيفها. يثق البعض في قوتهم، في أنهم أقدر، أجمل، أفضل، أخلص، أرحم، أكرم، أعف.

يظنون أن (أفعل) التفضيل قد نحتها العرب لأجلهم. وعند المَحك تظهر الأنانية والأثرة محل الإيثار والعطاء، والبخل محل الكرم، والشُح محل الإنفاق، الضعف الذي يُلام عليه محل الجِدّ والقوة، والقبح القابع في خبايا النفوس يلوح بوجهه حتى يُغطي جمال الروح ويخرج قبيحًا كقُبح أم قتلت صغيرها بيديها، يجدون القسوة تغلب الرحمة، والشر يغلب الطيبة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

3

ليس الأمر أننا تغيرنا من الأحسن للأسوأ كما يحلو للبعض أن يطلق في هذه الحادثات الفاضحة. إنما الأمر في أننا لم نُختبر من قبل، لم ندر هل صدقًا وحقًا نستطيع أن نعيش ما نؤمن به أم أنها موجات من الأوهام صدقناها بغير برهان.

كان صديقي عف اللسان، نزيه اليد، لم نعهد عليه سوءًا. غالب الظن أنه ظن أن حياته لن تتلوث قط. قدر الله عليه وقضى بأن يترأس على أُناس وملك فوقهم سُلطة. لم أر صديقي شهورًا طويلة. لكن أحد هؤلاء المرؤوسين كان من الأصدقاء هو الآخر حكى لي عنه. حكى عن إنسان يتفوه بأقذع الشتائم ليل نهار، يقذف أمهاتهم، يسب الديانة، لا يركع ركعة بينهم. وبيننا هو التقي النقي، لا يُظهر من ذلك شيئًا ولا نستريب فيه.

لما سمعت هذا علمت أن صديقي لم يتغير عن سابق عهده بيد أن حاله هذا كان مدفونًا تحت الرماد فلما أتى الريح وانقشع الرماد تجرأ وتظهر ما كان فيه مكتومًا. وكل إنسان منا تحت رماده أمواج من الباطل والدَخَن والسوء. فقط تحتاج لموقف كاشف ليفضحنا أمام أنفسنا.

الابتلاءات صعبة ولا يقدر عليها كل الناس، ويبتلى كل إنسان بما يُصلحه هو. هذه حقيقة قالها المقداد بن عمرو لرجل تمنى مشهده بين يدي رسول الله.

علينا أن نعلم أن حبنا لذواتنا وحبنا لمن نحب حجب عنا الكثير من الرؤية، وأن الناس ليسوا جميعًا على الخيرية التي كنا نظن، وأن طيبة قلوبنا لن نهدي بها العالم ولن نجعل البشرية في حال أطيب. ربما عصمتنا قلوبنا – إن طهرت حقًا – من أن نقع نحن في الغواية كما غوت أغلب هذه البشرية. فإن كسبنا أنفسنا وعشنا الدنيا بقلب سليم وقدمنا به على الله فإنا قد فزنا حقًا.

ليس عبثًا أن يستعيذ النبي في خطبة الحاجة (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا) ويكرر استعاذته هذه في كل مرة. يكررها لأنه يعلم أن أنفسنا بها شرور تستحق الاستعاذة بالله منها. يستعيذ بالقوي الذي نلوذ به وندخل في حماه بين مآسي هذه الحياة. إبليس والدنيا ونفسي والهوى، كيف الخلاص وكلهم أعدائي.

الله الرحيم، الله الكريم، الله المستعان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد