قراءة في رواية تاء الخجل للجزائرية فضيلة الفاروق

قرأت أول مرة لفضيلة الفاروق وأنا في الصف الجامعي، حين شعرت أن الأدب الجزائري عمومًا والأقلام النسوية خاصة لم تنصف من طرف المنظومة التربوية الجزائرية، فقلما كانت الكتابات الأدبية موضوعًا لدرس أو لنص تحليلي طوال فترة دراستي الثانوية وما قبلها خاصة الأدب النثري. فقد كانت مناهجنا التربوية تصور لنا الأدب الجزائري النسوي نحيلًا جدًا، حين قرأت لفضيلة الفاروق لم تستوعب مخيلتي الرخوة حينها روايتها، شعرت بالاختلاف وبالخوف، كيف لكاتبة جزائرية من منطقة جبلية متعصبة أن تنتصر لأنوثتها وتصرخ بصوت مرتفع دون أن تخاف الاضطهاد أو التنكيل، عرفت لاحقًا أن كل ما كتبت فضيلة الفاروق لم يصدر في الجزائر بل في لبنان بلاد الثقافة والحرية.

قرأت بعد ذلك للجزائرية فضيلة الفاروق كل ما كتبت وأعدت قراءة رواية «تاء الخجل» عدة مرات وفي مراحل مختلفة من الحياة. وكنت في مختلف جلسات القراءة والجلسات الأدبية التي أحضرها ويفتح الجدال فيها حول روايات فضيلة الفاروق كنت أنصح محدثي في الجلسة «لا تقرأ لفضيلة الفاروق قبل سن الأربعين».

لماذا فضيلة الفاروق؟

فضيلة الفاروق ظاهرة أدبية استثنائية في الجزائر، وكاتبة مثيرة للجدل، حجزت بكرا مكانتها دون منازع في الساحة الأدبية الجزائرية، واستطاعت بناء تجربتها بكل إبداع وتميز فأزهرت شامخة من الجزائر على الرغم من استقرارها في بيروت، ذلك أن جذور الذاكرة ضلت ممتدة في آريس بعمق الجزائر. أينعت فضيلة الفاروق في بيروت بلد الفكر والثقافة، بلد الحرية، لكن قلمها بقي متثبتا بطفولتها ومراهقتها في الجزائر، بلد التضحيات الجسام. لم يتحرر قلم فضيلة الفاروق من انتمائها لهذه الأرض رغم عسر المخاض فيها، أرض يشقى فيها الكفاح، أرض طالما نصرت الذكورية وقهرت عنوة الذات الأنثوية قبل نضوجها بفعل التنمر الممارس عليها في البيت وفي الشارع وفي المدرسة وفي الجامعة وفي الوظيفة وفي الدراسات العليا.

من هي فضيلة الفاروق؟

ولدت الكاتبة الجزائرية فضيلة الفاروق في العشرين من شهر نوفمبر سنة 1967 بمدينة آريس بقلب جبال الأوراس التابعة لولاية باتنة شرق الجزائر. فهي جبلية المنشأ. نشأت في عائلة عريقة اشتهرت بمهنة الطب والرياضيات والقضاء، فهي علمية التربية مع ذلك اختارت دراسة الأدب وتنازلت عن دراسة الطب، حازت على شهادة ليسانس في اللغة العربية وآدابها في سنة 1994 وشهادة الماجستير في ذات التخصص في سنة 2000 وحاليًا تحضر لشهادة الدكتوراه.

عملت في حقل الصحافة المكتوبة والمسموعة في بلدها الجزائر في الفترة من 1990 إلى 1995 وكان لها زاوية شهيرة في أسبوعية «الحياة الجزائرية» وكذا برنامج أدبي على القناة الإذاعية الأولى دام مدة سنتين تحت عنوان «مرافئ الإبداع»، من البرامج الأدبية المتميزة والناجحة في تلك الفترة العصيبة في الجزائر. انتقلت إلى لبنان سنة 1995 و تزوجت بلبناني واستقرت هناك ليزهر قلمها في الصحافة اللبنانية فكتبت في عدة مجلات (الحياة، الكفاح العربي، السفير، وعناوين أخرى…) وتقدم حاليا فقرة ثقافية في تلفزيون العربي.

تعد الكاتبة اليوم من بين الروائيات العربيات المتميزات جدا، كونها تناقش قضايا هامة في المجتمع العربي، تميزت بآرائها المختلفة وغير التقليدية عن الحرية وتعايش الأديان، والمساواة بين الرجل والمرأة، أصدرت رواياتها في لبنان مزاج مراهقة سنة 1999 وتاء الخجل سنة 2003 ورواية اكتشاف الشهوة سنة 2005 ورواية أقاليم الخوف سنة 2010 وهي جميعها صادرة عن دار رياض الريس ببيروت ترجمت تاء الخجل إلى اللغتين الفرنسية والإسبانية، وترجمت مقاطع منها إلى الإيطالية.

رواية تاء الخجل 2003 «الرواية الجدل»

في رواية «تاء الخجل» الصادرة عام 2003 عن منشورات رياض الرَيس ببيروت ثاني رواية لفضيلة الفاروق كسرت الكاتبة كل الطابوهات المسكوت عنها في المجتمع العربي عامة وفي الجزائر خاصة. فالرواية تعالج موضوع الاغتصاب في المجتمع الجزائري في مواجهة الأبوة المعطوبة العاجزة عن حماية ابنة الثماني سنوات، والتي تموت منتحرة بعد الإلقاء بنفسها من أحد جسور قسنطينة، بمباركة من الأب نفسه، انبثقت هذه الحادثة المؤلمة نتيجة الشرخ الأبوي المفرط في القسوة، ليتسع فعل الاغتصاب في المجتمع الجزائري ويصبح استراتيجية حربية ينتهجها التعصب الديني أثناء العشرية السوداء التي عانت منها الجزائر في سنوات التسعينات.

( كنت مشروع أنثى ولم أصبح أنثى تمامًا بسبب الظروف، كنت مشروع كاتبة، ولم أصبح كذلك إلا حين خسرت الإنسانية إلى الأبد. كنت مشروع حياة، ولم أحقق من ذلك المشروع سوى عُشر، وحدهن يعرفن وصمة العار، وحدهن يعرفن التشرد، والدعارة، والانتحار وحدهن يعرفن الفتاوى التي أباحت الاغتصاب، تاء الخجل رواية من أجل 5000 مغتصبة في الجزائر، تلامس قضية طالما عانت منها المرأة في كل مكان وتؤشر الخلل في العلاقة بين الجنسين في المجتمع وهي بحث يلقي الضوء على الواقع السياسي والاجتماعي في الجزائر. «الاغتصاب استراتيجية حربية).

قد عرضت فضيلة الفاروق هذه الرواية بحبكة أدبية في غاية الإتقان حاولت من خلالها الانتصار لأنوثة المرأة الجزائرية والعربية عن طريق كشف جريمة الاغتصاب البشعة التي جعلتها التيارات الدينية المتشددة استراتيجية حربية، حيث استباحت شرف المرأة الجزائرية بعلم محرمها وتحت مرآه. حاولت الكاتبة أن تنتصر للأنثى وللشرف وللمرأة وللإنسان، تاء الخجل صرخة كل امرأة ضد ظلم العادات والتقاليد المتعصبة التي تنافي حرية الفكر وحرية المعتقد وحرية الدين. تاء الخجل هي تاء الأنوثة المقهورة في الجزائر تحت طائلة العيب والحرام حيث العشرات من الضحايا يذبحن يوميا في صمت دفين خلف أسوار البيوت.

لم تنصف الساحة الأدبية في الجزائر فضيلة الفاروق، كما لم تنصف يوما غيرها من أقلام الجزائر النسوية المتمردة على قيود الرجعية التي فرضها مجتمع مكبل بالعقد، عقد فرضتها التنشئة الاجتماعية، وفرضها الاستعمار وكرستها السياسات الذكورية جيل فجيل. لكنها انتصرت لنفسها وللمرأة وللإنسانية حين عرت تابوت الخطيئة وكشفت ملابسات جريمة الاغتصاب والتنمر التي تمارس علينا على الفتاة العربية كل يوم في البيت وفي المدرسة والشارع وفي كل مكان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد