كنت في طريقي نحو الجامعة كعادة كل يوم، أركب القطار وأكاد أقسم أن الدروس التي أتعلمها فيه أكبر وأهم مما تفرضه مناهج الجامعة؛ فالمواقف التي أشهدها هنا كثيرة كثرة الوجوه التي ألتقيها، والانطباعات التي تعلق في ذهني أعمقُ تجذرا من سواها. ولعل أبرز ما أستحضره ولا يكف يجول بخاطري منذ أسبوعين تقريبًا ما شهدته من حوار دار بين والد وولده على مقربة منّي. وأسوق لكم الواقعة كما عشتها:

أب يكلم ابنه ثم يلومه: كيف لم تستشرني في أمر كهذا؟ يحوّل الشاب وجهه إلى النافذة قليلًا، ثم ينظر في عيني الرجل في جرأة مجيبًا بصوت صراخ مكتوم وقد ضم أسنانه غيظًا حتى كاد يحتك بعضها ببعض: من أنت لأستشيرك؟ ما هي نجاحاتك الباهرة في الحياة؟ لا أرى إلا فشلًا، تجاربك فاشلة في كل شيء، يخنقني فشلك! احمرت عينا الأب واغرورقتا، لكنه تماسك، ويبدو أن الكلمات لم تسعفه ليرد عن نفسه السوء.

كنت أتأمل وأتحرق وجعًا، كان بودي لو تدخلت وقلت: أحيانًا يا ولدي أكثر الناس فشلًا هم الأفضل نُصحًا. ولكني أصغر سنًا من أن أدعوه (ولدي) وأبعد ودّا من أن أحشر أنفي في جدال خاص يجمع ولدًا بوالده.

أتساءل ما الذي ينتهي بعلاقة أبوية إلى مثل هذا التوتر؟ ما الذي يجعل ابنًا يقل أدبه إلى هذه الدرجة مع أبيه؟ البعض أجابوا : لأن الشاب هو أكبر فشل أتاه الرجل في مسيرته!

لو أنّي واضعة نفسي مكان الأب لما اختلفت ردة فعلي عن ردة فعله، ولو وضعت نفسي مكان ابنه لالتزمت الصمت على أن أكلّف نفسي جرأة لا تُحمد عقباها. قد أتفهم ما يحز في نفسه تجاه والده، قد أحترم أن له أسلوب حياة مختلف، قد أؤيد رغبة استقلاله بنظرته في صورة حيازة قدر لا بأس به من الثقافة والخبرة، ولكن أبدًا لا أتقبّل فكرة أن يجرح شعوره وكرامته بهذا الشكل، خاصة في مكان عام.

يقول الله سبحانه وتعالى: ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريما.

آباؤنا لهم أحلام مثلنا. بعضهم لم يتمكن من بلوغ ما كان يصبو إليه أيام شبابه، بعضهم يكبّله روتين الوظيفة فلا يملك التحرر منها ما دام ملزما بتوفير ما ينفقه على البيت ومصروف الزوجة والأولاد، بعضهم يمر بضغوط اقتصادية تحكم قبضتها على عنقه فتزيد حالة عدم رضائه عن نفسه سوءًا أكثر مما هي عليه، البعض أمله الأخير فلذة كبده: نجاحه نجاح له وفرحه فرح له والعكس بالعكس.

أقول قولي هذا وأنا أولى الناس بإدراك أهميته، إذ لا يخلو بال أحد منا من شأن متعلق بوالديه يعكر مزاجه بين حين وآخر. لذلك أحب أن أضيف نصيحة أجتهد منذ فترة في تطبيقها: يا صديقي، ناقش ما دام الباب مفتوحا للنقاش (أضْرِبْ بعْضَ الرّأْيِ بِبَعْضٍ يَتَوَلَّدْ مِنْهُ الصَّوَابُ)، استمع بعقلك وقلبك قبل أن تهرع إلى رفع نبرة صوتك، وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرًا.

أختم بما قاله الإمام عليّ رضي الله عنه:

إن المكارم أخلاق مطهرة
فالعقل أولها والدين ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها
والجود خامسها والعرف سادسها
والبر  سابعها والصبر ثامنها
والشكر تاسعها واللين عاشرها
والنفس تعلم أني لا أصدقها
ولست أرشد إلا حين أعصيها
والعين تعلم من عيني محدثها
إن كان من حزبها أو من أعاديها
عيناك قد دلتا عيني منك على
أشياء لولاهما ما كنت تبديها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد