قبل أن تتفشى ظاهرة التأليف على مقاس النجوم في الأفلام السينمائية، كنت أظن أن السيناريو اغتصاب لغوي، يرغم فيه الراوئي أبطاله على قول ما يشاء هو، فيأخذ منهم عنوة كل الاعترافات والأقوال التي يريدها لأسباب أنانية غامضة، لا يعرفها هو نفسه، ثم يلقي بهم على الورق، أبطالًا متعبين مشوهين، دون أن يتساءل، تراهم حقًا كانوا سيقولون ذلك الكلام، لو أنه منحهم فرصة الحياة خارج الكتابة؟

لكن مع هوجة الأفلام في الإجازات، ومحاولة النجوم الكبار الفوز بموسم العرض والحصول على الملايين بأي ثمن، سقطت السينما وأصبح لا ينظر أحد إلى قيمة العمل الفني الذي تقدمه، لذلك انتشرت ظاهرة التأليف على مقاس النجوم، وأصبح النجم هو «فرس الرهان» ومن حقه أن يفرض شروطه حتى على أفكار المؤلف، وتحول العمل السينمائي إلى قطعة من الصلصال يشكلها النجم كما يحلو له!

وكأنه لا يدرك أن نصوص الأفلام، هي محور ارتكاز صناعة السينما، نظرًا لاعتماد مجمل العمل السينمائي عليها بشكل مباشر أو غير مباشر، وفقدان النص لقيمته يعني فقدان الفيلم لمصداقيته، سواء في السيناريو أو الإخراج أو التمثيل، وقد شهد العقد الأخير من صناعة السينما العربية انقلابًا في أصول العمل نفسه، لعدة أسباب، منها اعتماد النص على شهرة الممثل نفسه، واعتماده على أفكار عشوائية تحمل بين طياتها الكثير من التناقض الناتج من عدم تخصص الكتاب أنفسهم، ومنهم الدخلاء على مهنة الكتابة نفسها، والأبشع من ذلك هو أن يتحول المؤلف أو الكاتب إلى «ترزي»!

وثمة اعتقاد بأن تراجع السينما في الآونة الأخيرة، يعود إلى انسحاب معظم المنتجين الجادين الذين يفهمون في الصناعة من السوق، مع سيطرة بعض رجال الأعمال الذين اقتحموا هذا المجال دون خبرة، فارضين نوعًا مبتذلًا من الصور والمناظر النمطية التي تخلو من أي إبداع أو ابتكار، بالإضافة إلى التقلبات السياسية المستمرة منذ اندلاع ما يسمى بثورات الربيع العربي، التي أدت إلى تقلص الإقبال على السينما، مع غزو الأقراص المدمجة وإمكانية عرض الأفلام على شبكة الإنترنت، بالإضافة إلى ظهور القنوات الفضائية المتعددة التي تعرض الأفلام القديمة والجديدة بانتظام.

لكن أكاد أن أجزم بأن هجمة التجار الذين لا صلة لهم بفن السينما، هي التي أدّت إلى غلبة نوع واحد من الأفلام، وهو الفيلم الذي يعتمد على أكبر كم من التهريج باسم «الكوميديا»، وفيه يعتمد الممثل على المغالاة في إظهار عيوبه، والمبالغة في استخدام صوته؛ بهدف إضحاك المشاهدين عليه، وليس على الموقف الدرامي الذي يشارك فيه، فبعد رحيل الرموز التي أسست للفيلم كفن سينمائي، وليس كصنعة فقط، أمثال «يوسف شاهين»، و«عز الدين ذو الفقار»، و«توفيق صالح»، و«صلاح أبوسيف»، و«بركات»، و«عاطف سالم»، و«حسين كمال»، و«سعيد مروزق»، و«عاطف الطيب»، و«نادر جلال»، و«محمد خان»، لم يبق في الساحة حاليًا سوى عدد محدود من مخرجي السينما الجادة، مثل «داود عبد السيد»، و«علي بدرخان»، و«خيري بشارة»، ولكن معظم هؤلاء لا يعملون سوى نادرًا، وقد تحول معظمهم إلى إخراج المسلسلات التلفزيونية.

ومما لا شك فيه أن غياب المخرج الفنان صاحب البصمة السينمائية المميزة، الذي يتعامل مع الفيلم كمنتج فني، وراء غياب الأفلام الفنية، وتراجع سمعة الفيلم العربي؛ كون معهد القاهرة للسينما نفسه يعاني من مشكلة كبرى، وهي أن الغالبية العظمى من أساتذته لا علاقة لهم بالعمل السينمائي الفعلي، خصوصًا أساتذة الإخراج، فهم إما أنهم مخرجون فشلت الأفلام القليلة التي أخرجوها على المستويين، الفني والجماهيري، أو أنهم لا يخرجون الأفلام أصلًا، اكتفاء بتدريس الإخراج كمادة نظرية، أي لا يوجد لديهم رصيد يمكنهم البناء عليه، واتخاذه مثالًا أمام طلابهم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد