كل المبادرات فشلت بوقف نزيف الدم السوري!

يستمر التصعيد غير المسبوق من قبل قوات الأسد والدول المساندة لها في شمال سوريا، إذ ينسف هذا التصعيد كل الآمال المرتقبة من اجتماعات تدور هنا وهناك بغية تحقيق لوقف إطلاق النار بسوريا، فلا بوادر أمل تلوح بالأفق القريب حول ذلك، رغم مطالبة الجانب التركي «الضامن لسوتشي» روسيا وقف إطلاق النار والعودة للحل السياسي فإن روسيا ردت بأن القتال في تلك المناطق يجب أن يستمر.

أبرز المبادرات الدولية حول سوريا

قبل الحديث عما يشاع داخل أورقة الدول الكبرى -لا سيما روسيا وأمريكا- عن سعيهم للوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار في سوريا، دعونا نسترجع بلمحة سريعة أبرز  المبادرات الدولية للحل في سوريا ونتائجها:

كانت أولى المبادرات الرسمية الخارجية للحل في سوريا هي المبادرة العربية الأولى التي يحملها الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل العربي، في العاشر من سبتمبر (أيلول) عام 2011، وتضمنت خطة للانتقال إلى نظام ديمقراطي لكن النظام لم يتجاوب مع طرح الجامعة العربية.

وفي يناير (كانون الثاني) عام 2012، قدمت الجامعة العربية مبادرتها الثانية التي نصت على تسليم الأسد صلاحياته إلى نائبه فاروق الشرع الأمر الذي رفضه النظام جملة وتفصيلًا.

عقد مؤتمر جنيف في يونيو (حزيران) 2012، وأبرز ما نص عليه بيان المؤتمر هو ضرورة العمل على تأسيس هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية، ويعد هذا البيان بمثابة المرجع الأول للقضية السورية، كما يعد القرار 2118 الصادر في سبتمبر 2013 أحد أهم المراجع للعملية السياسية التي كانت تستند على خطة المبعوث الأممي كوفي أنان.

جاءت جولة جنيف الثانية  في يناير 2014 بناء على دعوة من الأخضر الإبراهيمي المبعوث الأممي إلى سوريا، وكان المؤتمر ثمرة للتعاون الروسي الأمريكي الذي أفضى إلى نزع سلاح النظام الكيميائي، بعد مجزرة الكيميائي في غوطة دمشق التي ارتكبتها قوات النظام .

بعدها اجتمعت 17 دولة في فيينا في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، ومنعت للمرة الأولى الدولة الإيرانية من الحضور، بغياب ممثلين عن المعارضة والنظام واتفق المجتمعون على السعي إلى وضع أطر للانتقال السياسي بينما اختلفوا على مستقبل الأسد.

في الشهر الذي يليه عقدت محادثات فيينا 2 وتوصلت الدول الكبرى من خلالها إلى خريطة طريق تنص على تشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات وعقد مباحثات بين النظام والمعارضة، لكن دون الاتفاق على مصير الأسد.

في ديسمبر (كانون الأول) 2015 صدر عن مجلس الأمن القرار 2254، ما شكل منعطفًا أساسيًّا في مسيرة العملية السياسية إذ حاول رعاة القرار أن يكون بمثابة بداية جديدة للتفاوض متضمنًا المرجعيات الأساسية السابقة؛ لأنه تناول مضمون تلك الوثائق بأسلوب جديد أفرغتها من محتواها.

وعقدت جولة جديدة من جنيف حضرها ممثلو النظام في يناير 2016، لكنها توقفت بعد اعتراض وفد المعارضة على الاستمرار في هجوم قوات النظام على حلب.

وعقدت بعدها سلسلة اجتماعات في جنيف باءت جميعها بالفشل، ولم يعقد بعدها أي اجتماع تحت مسمى جنيف.

انطلقت النسخة الأولى من مفاوضات أستانة في يناير عام 2017، بحضور مبعوث الأمم المتحدة لسوريا دي ميستورا، ودول تركيا، وروسيا، وإيران وجرى التوصل إلى اتفاق على إنشاء آلية ثلاثية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، بعد ذلك عقدت سلسلة من مفاوضات حتى عام 2019 تخللها اتفاق ثنائي روسي تركي «سوتشي»، وكان المستفيد الأكبر من نتائجها هو النظام، لا سيما أنه سيطر على مساحات واسعة بعد تجميد الجبهات، الذي اتفق عليه في السنة فخسرت المعارضة معظم المناطق التي تسيطر عليها.

تسريبات عن انسحاب تركيا من اتفاقيات أستانة وسوتشي

جرت في الأيام القليلة الماضية في العاصمة أنقرة مباحثات طويلة بين الجانبين التركي والروسي، بشأن العمل على وقف إطلاق النار في المنطقة الرابعة والأخيرة لوقف التصعيد شمال سوريا، إلا أنها فشلت في الوصول لاتفاق موحد، الأمر الذي سيدفع تركيا للانسحاب من اتفاقية سوتشي والعودة مجددًا للحرب المفتوحة بين فصائل الثورة «المدعومة من تركيا وقوات النظام المدعومة من روسيا» مع تفاوت حجم الدعم.

سعي أممي لحل الأزمة في سوريا

قال المبعوث الأممي لسوريا غير بيدرسون إنه يسعى لحل الأزمة بشكل كبير في سوريا، وأن روسيا كانت منفتحة على وقف إطلاق النار في سوريا، وأضاف أنهم سيعقدون اجتماعًا حول سوريا في جنيف، ما يعني أنه اعتراف صريح بفشل مسار أستانة ومعتبرًا أن لقاء بومبيو وبوتين الأخير مهم لدفع العملية السياسية في سوريا.

جيفري: محادثات أمريكية-روسية لحل الأزمة السورية وإنهاء عزلتها دوليًّا

قال المبعوث الأمريكي إلى سوريا جيمس جيفري  في 29 من مايو (أيار) الفائت، إن أمريكا وروسيا تجريان محادثات لإنهاء الأزمة السورية في حال جرت الموافقة على سلسلة خطوات.

موضحًا أن «موسكو وواشنطن تستكشفان مقاربة تدريجية، خطوة بخطوة لإنهاء النزاع السوري المستمر منذ ثمانية أعوام، لكن هذا يتطلب اتخاذ قرارات صعبة».

وربط جيفري التوافق مع روسيا حول الحل بالقيام بسلسلة من الخطوات، من بينها وقف إطلاق النار في إدلب شمالي سوريا، واجتماع اللجنة الدستورية، لكنه أوضح بالوقت نفسه أنه لم ير خطوات تعطينا الثقة بأن نظام الأسد يفهم حقًّا ما يجب أن يفعله لإنهاء هذا النزاع، موضحًا أن هناك رغبة شديدة في مجلس الأمن بإنهاء الأزمة السورية، لكن ذلك يتطلب قرارات صعبة من جانب روسيا ونظام الأسد.

هل ستذهب روسيا إلى جنيف؟

يرى محللون أن التصعيد العسكري الأخير شمال سوريا هو نتيجة حتمية لغياب إرادة دولية حول سوريا، وترك روسيا كلاعب رئيس ووحيد يتحكم في المنطقة، إذ ترى روسيا أن الحل العسكري واستعادة الشمال السوري لحضن نظام الأسد هو الحل الوحيد حاليًا، لكن في الوقت نفسه يرى المحللون أيضًا أن ذهاب روسيا لجنيف مرتبط بجدية مجلس الأمن والمجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم ضغوطات جديدة على روسيا ستجبر الأخيرة على الذهاب إلى جنيف مجددًا، خاصة مع فشل كل محاولات أستانة السابقة لوقف نزيف الدم السوري.

ما بين كل المبادرات السابقة من أولها لآخرها، يبقى السوري هو الضحية ذاتها لكل التفاهمات والمبادرات التي لم تقدم له شيئًا على مدار تسعة أعوام، بل كانت إحدى المبادرات سببًا في تشريد بل قتل وذبح العديد من السوريين في مناطق مختلفة من سوريا؛ فلسان حاله يقول لا جنيف ولا أستانة ولا سوتشي أرادوك حرًّا يا وطني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد