لم يكن يوم 20 يوليو (تموز) كغيره من الأيام، بينما كانت الولايات المتحدة تحتفل بالذكرى الخمسين لهبوط أول إنسان على القمر كانت مصر تواجه أزمة تهدد صناعة السياحة المجروحة بالفعل عقب إعلان شركة الخطوط الجوية البريطانية وقف رحلاتها إلى القاهرة لمدة سبعة أيام بسبب مخاوف أمنية لديها، وتلتها شركة لوفتهانزا الألمانية، والتي تراجعت سريعًا عن قرارها، وقررت استئناف رحلاتها، وبينما كانت فصول هذه القصة تتوالى اكتُشف أن وزارة الخارجية الأمريكية والبريطانية والكندية كانت قد رفعت درجة التحذير للسفر إلى مصر قبل أيام من قرار الخطوط البريطانية، وتلاها تحذير من دائرة الصحة العامة البريطانية للتحذير من الإصابة ببكتريا إيشيريشيا القولون E-Coli بسبب إصابة عدد الكبير من السياح البريطانيين بها عقب زيارتهم إلى الغردقة!

فإذا نظرنا إلى جانب ردود الفعل المصرية، سواء الشعبية أو الرسمية تصاب بفاجعة على ما وصل إليه الحال من التردي والانغماس في نظريات المؤامرة (نظريات وليس نظرية)، وأما على الجانب الرسمي فالحكومة كانت مفتقدة تمامًا في الأحداث، وبدت مثل الأطرش في الزفة، وصدر بيان هزيل من وزارة الطيران المدني يقول إنه تم الاتصال بالسفارة البريطانية في القاهرة، وأفادوا أنه لم تصدر الحكومة البريطانية قرار بوقف الرحلات الجوية إلى مصر! والتعجب هنا يعود إلى أن الخطوط البريطانية التي أوقفت رحلاتها إلي القاهرة لم تفعل ذلك بناء على تعليمات حكومية، ولكن في إطار إجراءاتها الأمنية التي تقوم بها، وبناء على قيام وفد أمني من الشركة بفحص الإجراءات الأمنية في مطار القاهرة، وكنت أتوقع أن تقوم وزارة الطيران المدني وهيئة ميناء القاهرة الجوي بالتواصل مع شركة الخطوط الجوية البريطانية مباشرة في محاولة لفهم دواعي قرارها، وربما العمل على حله، وحيث إن الرحلات وعمل الشركة يخضع للتعاقد بينها وبين الطيران المدني، وليس السفارة البريطانية في القاهرة.

وزارة السياحة ووزيرتها رانيا المشاط أصبحت مثل الأطرش في الزفة، لا حس ولا خبر ولا تحرك أو حتى محاولة لتوضيح الأمور، ويكفي أن تعلم أن رفع درجة التحذير للسفر إلى مصر من ثلاث دول كبرى منذ أسبوعين لم يتم التعامل معه، أو حتى نشر أي شيء حوله، ولم يتم تسليط الضوء عليه إلا بعد وقف الرحلات! لا أدري إذا كانت الوزيرة ستخرج على قناة بلومبرغ التي لا يشاهدها إلا سماسرة البورصة والخدمات المالية لتقول شيئًا حول هذه الأزمة أم أنها ستبحث عن قناة أخرى للتواصل مع قطاعات أكبر من السياح المحتملين؟ الخلاصة أداء منعدم تمامًا لا وجود له من وزيرة السياحة رانيا المشاط، وزارة السياحة بأكملها، وتستلزم إعادة النظر فيها وإعادة تنظيمها.

وزارة الصحة المصرية التي لم تتحرك ولا ينتظر منها التحرك في ظل انعدام الميزانيات اللازمة لها وفي ضوء أداء وزيرة الصحة هالة زايد التي لا تفقه شيئًا في أسس الإدارة العامة، وأشك في حصولها على درجة طبية تتيح لها ممارسة الطب في أي مكان، ولم تتحرك عند صدور التحذير من دائرة الصحة العامة البريطانية حول انتشار بكتيريا E-Coli في الغردقة، ولم نسمع عن قيام حملات تفتيش علي الفنادق والمطاعم في الغردقة لفحص المأكولات فيها، ولكن الوزيرة هالة زايد التي لا هم لها سوى التهليل والتضليل لأولياء نعمتها ولها قرارات فاشية مثل عزف السلام الوطني في المستشفيات بدلًا عن حل مشاكل تلك المؤسسات الصحية فلا أمل فيها لأن العقلية الحكومية المصرية أصيبت بتصلب الشرايين وسرطان المخ الذي يمنعها من التطور أو حتى التفكير بطريقة سليمة والعودة إلى العقلية العقيمة الموجودة منذ 1952، والتي تفضل أهل الثقة على أهل الخبرة.

في ضوء حالة التخبط والضبابية التي سادت أداء الوزارات المصرية المختلفة والتي لا تدل على وجود أي منظومة للتعامل مع الأزمات بأي شكل، وغياب التوضيح من الأجهزة الأمنية المصرية حول احتمالات حدوث أعمال إرهابية طبقًا لتحذيرات ثلاث دول كبرى لمواطنيها المقيمين أو الزائرين لا تعجب من اشتعال وسائل التواصل الاجتماعي بكل أنواع الشائعات ونظريات المؤامرة والتي وصلت حتى لإلقاء اللوم على المشجعين الجزائريين الذين كانوا متواجدين لحضور كأس الأمم الأفريقية في أنهم السبب في وقف الرحلات الجوية البريطانية! وذهب البعض إلى أن ذلك الوقف جاء بسبب قيام إيران بوقف ناقلة نفط بريطانية في مضيق هرمز وذهب البعض إلى أبعد من ذلك، وقالوا إن ذلك حدث بسبب ليبيا، وأن مصر و الإمارات سيقومون بشن غارات علي طرابلس في خطوة لدعم الجنرال حفتر في مواجهة حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا وصولًا إلى أن امتلاك قطر لحصة أسهم تقدر بـ1.7 مليار دولار خلف ذلك القرار من الشركة! وأما بالنسبة للمعارضة المصرية في الخارج ونشطائها على مواقع التواصل الاجتماعي فلم تكن أسعد حالًا، وبدأت في ترويج قصص أخرى بدءًا من أن أمريكا وكندا أوقفوا رحلاتهم الجوية إلى مصر علمًا بأنه لا توجد أي شركة طيران أمريكية أو كندية تقوم بالطيران إلى أي مطار في مصر وصولًا إلى أن وزير الدفاع السابق صدقي صبحي ورئيس الأركان السابق محمود حجازي قد تم إلقاء القبض عليهم في محاولة لمنع وقوع انقلاب عسكري، وهو ما لم يحدث بالطبع، ولم تؤكده أية جهة في أي مكان، ومع اختلافي الشديد مع هذه السيناريوهات فوق الخيالية Uber-outrageous، ولكن حالة الصمت الحكومية والأمنية هي السبب الرئيس في ذلك، والنتيجة الأخرى أن الشعب وصل إلى مرحلة استعداد لتبرير أي شيء وإرجاعه إلى أن العالم متأمر على مصر لغضبه من حجم الإنجازات التي تحققت أو التي سوف تتحقق!

ربما يكون هذا المقال هو آخر ما أكتبه حول مصر لأني وصلت إلى مرحلة من الإحباط الشديد مما وصلت إليه الأوضاع، وبدأت أقتنع فعلًا أن نسبة كبيرة من الشعب المصري يستحق ما هو فيه، وما وصلت إليه الأوضاع، وأنه طالما الشعب مغيب إلى هذه الدرجة فمن الأفضل أن تتركه وشأنه؛ لأنه لن تجدي أية محاولة في إفهامه حقائق الأمور، وعلى الرغم من وجود الإنترنت والتي تتيح لهم متابعة ما يحدث في العالم ومعرفة الحقيقة فإنهم اختاروا أن يرتادو المواقع الإباحية ونشر الأدعية والأحاديث الدينية في حالة شيزوفرينيا سياسية اجتماعية لا أعلم لها علاجًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

Egypt
عرض التعليقات
تحميل المزيد