في ظل الأحداث الراهنة والصراعات التي نعيشها، ومع تزايد وتسارع وتيرة العنف في كل أنحاء العالم وخاصة عالمنا العربي، والذي لا يخفى على أحد كمية التناقضات وغياب المبادئ الأساسية واعتلاء لغة العنف والقتل بين شعوبنا العربية، زادت الانقسامات وأصبحنا نختلف في كل أمر حتى إن اختلافنا هذا أصبحنا نختلف عليه، كل منا يظن أنه على الحق والآخر على الباطل، حتى إنه لو تغيرت المعاني وأصبح أهل الحق مع الرأي الآخر ظنوا أيضًا أنهم على حق، فأصبحنا مشتتين في أفكارنا ومشردين في معانينا.

في كل حدث داخل الوطن العربي أو حتى خارجه، نجد أن هناك طرفين للنزاع كل منهما لديه قناعته أنه على الحق تمامًا وأن الآخر على الباطل تمامًا، ويسمي الطرف الآخر بمسميات مختلفة فنسمعها إرهابيًا أو مرتزقة وأحيانًا أعداء الوطن وغير هذا من المسميات المختلفة، وإن كان الاسم الأكثر شيوعًا والأسهل أن نسميهم إرهابيين، وبعيدًا عن هذين الطرفين نجد أن هناك طرفًا ثالثًا وهو صاحب الأغلبية والأكثر تعرضًا للقتل وللعنف وهو المواطن.

نعود إلى طرفي النزاع ولكل منهما أفكاره وتوجهاته ودوافعه الخاصة والمبررات التي يسوقها، وبالتأكيد هناك أدوات يستخدمها كل طرف ضد الآخر، فمن هي الأصابع الخفية التي ترسم وتخطط وتضع المبررات وتطلق الفتاوى؛ فكل مجنون ينفذ بالتأكيد خلفه شيخ أعمى يفتي له.

مما لا شك فيه أن للإعلام دورًا مؤثرًا وفعالًا على الرأي العام، من خلال وسائله المتنوعة سواء كانت صحافة مطبوعة أو إلكترونية أو حتى مواقع التواصل الاجتماعي والتي برز دورها في الآونة الأخيرة، وإن كانت شاشات التلفاز تبقى صاحبة العامل الأكثر تأثيرًا على توجهات الرأي العام ورسم أفكاره نحو قضاياه المختلفة والتي قد لا تشغله في بعض الأحيان.

وهنا يطرح السؤال نفسه، إذا كان الإعلامي هو الأكثر تأثيرًا بآرائه وتوجهاته نحو الرأي العام، فمن صاحب التأثير على هذا الإعلامي؟ أو من وضع آراءه قبل أن يوصلها للمواطن المستمع له والمتأثر به؟ قد تكون نابعة من شخصه أو من مجموعة أفكاره، أو قد تكون نابعة من سياسات موضوعة سبقت وجود هذا الإعلامي من قبل منظمات أو سياسات دولة أو قد تكون خاضعة لرأس المال؛ وبالتالي أصبحت تجارة هدفها الأساسي تحقيق الربح المادي ويكون فيها الإعلامي هو الوسيلة نحو استقطاب المشاعر بقصد أو بدون قصد.

إذا كنت مؤمنًا أن هناك ثورة حقيقية في سوريا وأن النظام يقتل مواطنيه، فأنت سبق لك أن اقتنعت بأن هناك ثورة في تونس وثورة يناير في مصر وفي ليبيا وفي اليمن، إلا أن لديك قناعات أن النظام الحالي في مصر جاء بعد انقلاب وأن هناك انقلابًا حوثيًا في اليمن وتقف ضد حفتر في ليبيا بالتالي أنت تتصدر قنوات الجزيرة والقنوات المتعاطفة والموالية لجماعة الإخوان المسلمين والإعلام الذي يقف ضد النظام السوري، أما إذا كنت ترى أن ما يحدث في سوريا إرهاب وأن النظام الحالي في مصر جاء بعد ثورة شعبية ومع حفتر في ليبيا وضد الرئيس التركي فأنت بالتالي تتصدر الإعلام المصري والإعلام المؤيد للنظام في سوريا، وإن كانت هناك بعض القضايا تتجزأ في قنوات أخرى.

وما زلت أبحث عن إجابتي، من الذي رسم للإعلامي أفكاره وتوجهاته، هل وجوده في قناة معينة؟ أم أنها مصادفة وإن كنت لم أسمع عن إعلامي اختلف مع قناته إلا وغادرها، وسؤال آخر إذا كان هذا الإعلامي المعارض لنظام ما وجد نفسه في كنف هذا النظام هل كنا سنسمع تغيرات حقيقية في آرائه؟ أو حتى انتقل من قناة مؤيدة إلى أخري معارضة أو حتى تغيرت توجهات القناة لأي سبب، هل كنا تغيرنا؟ هذه الأسئلة لن أوجهها لإعلامي أعرف تمامًا أنها قد تصعب عليه، أنا أضعها للطرف الثالث الأكثر تعرضًا للضرر أضعها للمواطن كي لا يتأثر بأي أفكار سواء كانت مؤيدة أو معارضة، وأتركه يفكر ويقتنع بأفكاره هو دون تأثير من أحد، فقط خذ الحدث الحقيقي ووجه نفسك دون تأثير من أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد