الأستاذ فيصل القاسم، مقدم البرنامج الشهير «الاتجاه المعاكس» على قناةالجزيرة. مما لاشك فيه أنه يمثل تجربةً فريدة من نوعها في عالمنا العربي على الأقل.

فعلى مدار سنوات، استمر في حصد النجاح عبر المزيد والمزيد من المشاهدين والمتابعين. فحين يكون لرجل واحد أكثر من 9 ملايين متابع على مواقع التواصل الاجتماعي، وحين تتابع القنوات العالمية تصريحاته ومقالاته، فإن ذلك دون شك يكفي لتقدير وزن الرجل وثقله في المجتمع، ولكن في نفس الوقت فإن ذلك يرفع من مقدار المسئولية الأخلاقية الاجتماعية المناطة به، وربما حان الوقت لكي يستدعي منه ذلك وقفة للتأمل، والارتقاء بما يقدمه إلى مستوى جديد يوازي حجم هذه المسئولية.

ضيفان يتبادلان الآراء المتضادة، وبينهما موقد للنار يستثير كليهما، لا يتوانى عن صب البنزين على النار لتزداد توهجا. وفي النهاية المشهد المألوف من العراك اللفظي والجسدي أحيانا، لكي نكون منصفين، فإن لذلك فوائده؛ فحين يكون الحديث عن السياسة في زماننا، وهي لعبة الأكاذيب، فإن ذلك الصدام المخطط له مسبقا يكشف لنا الكثير والكثير من الحقائق التي لا تخرج إلا في لحظات الغضب.

ولكن بالمقابل، فإن ذلك المشهد على المدى الطويل يرسخ في أذهان الناس عددا من المفاهيم الخاطئة والخطيرة: «ليس هناك إلا الرأي والرأي الآخر» وهذا من أخطر ما يمكن لإنسان أن يتعلمه، إنه يجسد نظرية الأبيض والأسود، حيث ليس هناك إلا بديلين، والصراع بينهما محتوم.

«الحوار والنقاش، انتصار للرأي، وسحق للخصم مهما كان الثمن»، مفهوم آخر صار أشبه بالعقيدة في عالمنا العربي، ويجسده مشهد الأستاذ فيصل القاسم، وهو يفصل في نهاية الحلقة بين الضيفين قبل أن يفتك أحدهما بالآخر!

ماذا عن النقاش الحضاري الراقي؟ هل انقرض في عالمنا العربي؟ ماذا عن الرأي الثالث والحقائق المركبة؟

أليس عند كُلٍ صواب وخطأ، حيث الحقيقة موزعة على جميع الأطراف كلٌ بقدر، أم أن الإنسان نفسه قد أصبح رقميا ثنائياً لا يعرف إلا الصفر أو الواحد؟ .. يتساءل أحدهم.

ستيفن كوفي، صاحب العادات السبع الشهيرة للناس الأكثر فعالية، خصص كوفي كتابا كاملا لما أسماه البديل الثالث. وكيف يمكن لمختلف الأطراف أن تصل إليه. البديل الإبداعي الذي يخلق حالة عامة من الحماس والرضا، وليس مجرد الحل الوسط الذي يتنازل فيه الجميع من أجل المحافظة على السلام.

هل يمكن لطاولة الحوار التي يديرها الأستاذ فيصل القاسم على الهواء مباشرة أن تقدم لنا اتجاها معاكسا لما تقدمه اليوم؟

هل يمكن أن نراه يوما وهو يقدم برنامجا جديدا ينقل للمشاهدين الرأي الثالث، بدلا من الاكتفاء بالرأي والرأي الآخر؟

هل يمكن أن نراه وقد حول المشهد إلى ذلك المسرح المسحور الذي وصفه كوفي في كتابه؟ ونراه يستدرج ضيفيه للوصول إلى رؤية أوسع وأشمل، تقدم بدائل حقيقة إبداعية يتعاون فيها الجميع بدلا من استدارجهما للصراع.

هل يحدث ذلك يوماً ما؟ أجيب أنا: لا أدري! أتمنى أن تصل الرسالة، ولكني متأكدٌ يقينا أن الرجل يمتلك المقدرة والكفاءة اللازمة لذلك وأكثر، وهو قادر دون شك أن ينتقل من دائرة العباقرة إلى خانة العظماء إن هو أراد ذلك.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد