إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ( آل عمران 51)

إن الإيمان والعمل الصالح هما شرطا النجاة في الدنيا والآخرة.

فبالإيمان بالله يتوحد التصور للوجود والحياة والقيم، فالإيمان ينبثق من معرفة الله سبحانه وتعالى وتمثل صفاته في الضمائر وتقواه ومراقبته واليقظة، والعمل الصالح هو الحرب الشجاعة وغير النهائية ضد شياطين الإنس والجن، والشيطنة هي التمرد والغواية والتمخض للشر، ودائمًا ما يرتبط الإيمان بالعمل الصالح، ويتكرر لفظ (آمنوا وعملوا الصالحات) في القرآن كي يتقرر التوحيد في ضمائر الناس وفي حياتهم.

يعرف المستشار مصطفى كمال وصفي الإيمان الصادق بأنه: الصادر عن قلب سليم من أي ريبة أو شك أو هوى مع شهوة أو طاغوت أو آلهة كاذبة، والصدق هو مطابقة الخير للواقع وعليه فإن الإيمان الصادق هو إدراك الحق بلا مغالاة ولا تفريط، ومن لطائف الملهم حسن البنا رضي الله عنه (للإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نور وحلاوة يقذفها الله في قلب من يشاء من عباده).

بناء الإيمان: إن الإيمان ليست مجرد كلمة تقال باللسان إنما هو حقيقة ذات أعباء وجهاد يحتاج إلى صبر، فهو أمانة الله في الأرض لذا لا ينجو مؤمن من الابتلاء «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون»، وحقيقة الإيمان تجعل المؤمن يخوض حربين في آن معًا، الأولى في داخل النفس مع الضعف والشح والخوف والحرص، والثانية في واقع الحياة مع الشر والباطل والضلال والطغيان، وقد أطلق الأستاذ سعيد حوي مصطلح (علم الإيمان) على موضوعه وما يتعلق به، ولكي نتعلم هذا العلم ونكتسب ثماره لا بد له من منهج ومحتوى وكلاهما في كتاب الله وسنة رسوله.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله (للقرآن أسلوب في بناء الإيمان وتكوين الأمم ومنهجه هو مدارسة الكون ومصالحة الحياة، وذلك لإقامة الدين الحق وإقامة الدنيا الحارسة له) .

أولًا- حب الله وخشيته: قال الله سبحان وتعالى: «والذين آمنوا أشد حبًا لله» وقال «فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين»، فالخشية من الله والحذر الدائم سبيل الفرد لحياة العزة والكرامة، فبالخشية ينتصر الإنسان على المطامع والمطامح والرغائب والشهوات، قال الله تعالي «فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين» وأما حب الله فلا بد للإنسان من الصلة بالله لتحصيل المدد والعون والزاد وتطهير القلب وتزكية النفس من ركائز الفشل الطمع والكذب والنفاق، فالحب توحيد لله وشعور برقابته وتطلع إلى ما عنده وثقة في عدله وخشية من عقابه.

ومن التربية الجميلة للفرد أنه لا بد من ربط قلوب الناس بالله عن طريق الحب لذاته والإعجاب بمجده والإحساس بصنيعه والاعتراف بمآثره، وبذلك يُغرس في قلوبهم بذرة الحب المكين لربهم ولدينه العظيم، ولهذا الحب آثاره العظيمة وثماره اليانعة من إقبال على الخير ورغبة في التضحية والرضا عند انهمار النعم في السراء وعند إدبارها في الضراء.

وآخر ما كتبه العقاد رحمه الله (عند الحب سهر أحلى من حلم، ونوم أيقظ من سهر، فالخلود عند الحب نور يطوي الشمس والقمر، وموعد ينسي الليل والنهار، وعند الحب حياة يهون من أجلها الموت وموت تباع من أجله الحياة).

ثانيًا- تلاوة القرآن وتدبره: قال الله تعالي «واتل ما أوحي من كتاب ربك» وقال «أفلا يتبدرون القرآن أم على قلوب أقفالها»، فالقرآن يربي في نفس الفرد الجد والمثابرة، وفي تدبر القرآن تطهير للقلب وتزكية للنفس وتنقية للضمير واستقامة للسلوك وحماية للفرد من الفساد والضلال والانحراف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين، وهو عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه)، وفي وصية الرسول لأبي ذر رضي الله عنه (عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء) قال الله تعالي «الم. ذلك الكتب لا ريب فيه. هدي للمتقين»، وقال عز من قائل: «طس. تلك آيات القرآن وكتاب مبين. هدى وبشرى للمؤمنين».

ثالثًا -التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته: قال الله تعالى «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة»، وقال جل وعلا «من يطع الرسول فقد أطاع الله».

يقول الأستاذ العقاد: (الطاعة من دلائل النظام وفضائل الأمم القوية، والأمم التي لا طاعة فيها لا يعرف أفرادها الواجب ولا يلتزم أحد فيها حده، إذ الطاعة هي أن يعرف كل إنسان حدًا لنفسه يلتزمه وحدًا لغيره يحترمه، وحيث لا واجب ولا تبعه لا يكون عمل شريف ولا فضيلة نبيلة، على أن هناك فرقًا بين الخوف والطاعة، فالخوف اضطراري والطاعة اختيارية، وطاعة الرسول أمر من الله «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا »، وكذا ثمرة لحب الله «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله»، ففيم القدوة والأسوة والطاعة؟ إنها في الخشوع والإخبات والتأدب والضبط والعدل والرحمة، والسماحة واللين، والرضا والحلم والرعاية والعطف، والعطاء والتواضع، والرفق وسعة الصدر والتغاضي والتسامح في غير عقيدة الإسلام أو شريعته، ويسبق الاعتزاز بالحق والتكبر على الغواية في قوله صلى الله عليه وسلم (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتي يظهره الله أو أهلك دونه) وعندما استخف بعرض عتبة بن ربيعة حين قال: (ارجع عن هذا الأمر حتي أزوجك ابنتي فإنها من أجمل بنات قريش).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد