نحو رؤية فلسفية للإيمان

معضلتان فلسفيتان كبيرتان حيرتا عقول الفلاسفة قديمًا، وحديثًا؛ والمعضلة هي المشكلة الشّديدة التّعقيد ولن تستطيع طرح حلٍّ مقنعٍ للجميع حولها، أو حتّى لأغلبيتهم.

المعضلة الأولى هي مشكلة الشّر الموجود في الكون، وفي الحياة، فكيف يكون خالق الكون رحيمًا، حكيمًا، عادلًا كما تصفه الأديان، ونحن نرى بين الحين، والآخر شرورًا تتسلّط على بني البشر من أمراض، أو زلازل، أو صواعق، فنصطدم يوميًا بخبرٍ فظيعٍ، كأطفال أُبيدوا أو شيوخ قتلوا أبشع القتل، أو قرى غرقت فجأة هكذا بلا ذنب فعلوه.

ومشكلة الشّر هذه يعتبرها الملاحدة أكبر دليل على إلحادهم، وأقوى إحراج يمكن توجهه لأصحاب الأديان، وخاصّة الإبراهيمية منها.

والمعضلة الثّانية هي معضلة ومشكلة الوعي لدى البشر، فكيف لمخلوق يزعم علماء التّطور أنّه نتج عن تطوّر بعض أسلاف القردة في صراعها من أجل البقاء، وحماية لسيرورة نوعه في الأرض، فكيف له أن يكتسب هذه الخاصية العجيبة بإدراكه لحركة الزّمن مثلا، وباختراعه للغاتٍ يتواصل بها، ويختزن فيها معانيه، من فرح، وألم، كما تخزّن النّقود القيمة لوقت الحاجة.

ومشكلة الوعي هي الدّليل الأقوى للمؤمنين، وأتباع الأديان على وجود الخالق، لأنّ الوعي عندهم يمثِّل تلك الرّوح المفارقة لكل ما هو مادي، والآتية حسب اعتقادهم من الإله الخالق.

مشكلتان عويصتان في تاريخ الفلسفة سنحاول نحن من هذه المنطقة المنزوية في العالم الثالث، ومن إفريقيا السّمراء أن نطرح أشباه حلولٍ لها، فعسى العالم يحترمنا يومًا ما، ويدرك أنّنا بشر مثله، ونفكر مثله.

سنبدأ بمعضلة الشّر

الشّرُّ هو كل فعل أو قول تستقبحه العقول، وتكون له عواقب وخيمة، وأليمةً كالموت، أو المرض، أو الألم بمعناه الشّامل، وبهذا التّعريف لا أحد ينكر وجوده في الحياة وفي الكون، فلماذا هو موجود إذا؟ وكيف، ولماذا أوجده الخالق الرحيم الحكيم! أو لماذا تركه موجودًا، وهو قادرٌ على إزالته فهو على كل شيء قدير؟!

هناك من قال أن الشّر الموجود في الكون هو ليس شرًا مطلقًا، وإنّما هو نسبي فقط، فلولا المرض ما تقدّم الطّب، ولولا الزّلازل ما تقدّم العلم والهندسة المعمارية المقاومة للزلازل، ولولا الفيروسات، والجراثيم ما صنع الإنسان المخابر، والمراكز البحثية الكبرى لاكتشاف ولإنتاج المبيدات، أو التلقيحات المتعدّدة. المهمّ حسب هذا الرأي، وهو منسوب طبعًا للمؤمنين المؤلهين، فلولاه لما تقدّم الإنسان في هذه الدّنيا، ولما تطوّرت حياته، وتحسّنت حتّى عادت جميلة، راقية هكذا.

لكن تبقى هناك إشكالات كثيرة لا تحلّها هذه النّظرية كميلاد طفل معوق مثلا، أو مشوَّه، فما ذنبه أن يتألّم ويتعذّب هو، ويستفيد آباؤه بالصّبر، أو حتّى تستفيد البشرية بصناعة دواء للتّشوه، أو للإعاقة وهو لم يستفد منه، أو لماذا يموت أناس كثيرون في الزّلازل، والبراكين من أطفال، ونساء، وشيوخ لا ذنب لهم إلاّ أنّ خالقهم أوجدهم في تلك المناطق.

وهناك من رأى أنّ الشّر أصلا هو خير قليل، كالظلام مثلا، فلا وجود له حقيقة، وإنّما هو نقصٌ في النّور فقط، والمرض هو نقص في الصّحة، وهكذا، فأين تجد شيئًا يبدو شرّا في مظهره، ففي حقيقته ما هو إلاّ نقص في خير ما.

وهذا الرأي هو أيضًا متهافت، وضعيف، لأنّه لا يحلّ مشكلة وجود الشّر في الوجود، وإنّما هو يقدِّم تبريرات لوجوده فقط، ويبقى الشّر شرًّا، والخير خيرًا.

أمّا الملاحدة فقد جعلوا منه دليلًا قاطعًا على عبثية الوجود، واستحالة وجود الخالق الحكيم الذي يدّعيه المتدينون، والمؤمنون.

قصة واقعية

كاتب غربي يروي قصّة حياته، وكيف تحوّل من الإيمان إلى الإلحاد، يقول أنّه أثناء الحرب العالمية الثّانية، كان رفقة مجموعة من المعتقلين اليهود، فقد كان يهوديًا، كانوا آنذاك محبوسين لدى النّازيين ليأخذونهم إلى المحرقة، ويتم حرقهم كما هو معروف في تلك الفترة التي تغوّل فيها الحكم النّازي في أوروبا..قال هذا الكاتب أنّني كنت في الصّف أنتظر دوري ليرمونني في المحرقة (لكنّه نجا بعد ذلك)، وجنود هتلر يأخذوننا الواحد تلوى الآخر لنقذف في غرف النّار، وكانت هناك امرأة تحمل في يدها رضيعًا، أراد الجنود أخذه منها ليرمونه حيث سيرموننا، وهي تصيح متشبثة بابنها حتى انتزعوه من بين ذراعيها، وقذفوه في المحرقة في مشهد يندى له سطح الحجر، وتلين له صلابة الحديد.

قال ذلك الكاتب معلّقًا على ما روى: هنالك أدركت أن الله غير موجود، فلو كان موجودًا حسب قوله لتدخّل لإنقاذ الفتى الرّضيع من الحرق، وكيف يكون موجودًا، وهو يرى ما نراه، ونظن أنّه أرحم منا نحن بني البشر، فإذا بنا نكتشف أنّنا أرحم منه، لأنه في الحقيقة وَهْمٌ غير موجود في الواقع، حسب قوله.

فما هو الجواب؟ وما هو الحلّ هنا؟!

أولًا نريد أن نقرّر شيئًا هنا، وهو أنّ الإيمان مبنيٌّ أساسًا على شعور الإنسان بالوجود، وبما وراءه، والشّعور هو من أصدق الأدلة لأنّه ذاتي كشعورنا بالجوع، أو الخوف، أو الألم، لا يستطيع أيّ أحد أن يكذِّبه فينا، ولمّا تحدث أمامنا مثل هذه الإشكالات، فتشوِّش لنا الشّعور الذي سرعان ما يعود كما كان، إلاّ إذا أردنا نحن غير ذلك.

النّقطة الأولى: هو أنّ الشّر في اللّغة كما قلنا أولًا هو أي فعل، أو قول قبيح تكون له عواقب وخيمة، لكنّ الأساس الذي ننساه دائمًا هو النّية، فلا بد للفعل المُتَّصِفِ بالشّر أن يكون مسبوقًا بنية، وإلاّ فإنّه سيخرج من دائرة الشّر، أنت لمّا تضرب ابنك الصّغير لمنكر فعله، فهذا ليس شرًّا، لأنّ نيّة الشّر عندك غير موجودة، والطّبيب حينما يضع الدّواء في جسم المريض فيتألم، فهذا ليس شرًا، لأنّ نية الطّبيب خير وليست شر، والنّية دائمًا مرتبطة وخاصّة بالفاعل، فإذا ما عرفنا الفاعل واطمأنت له قلوبنا انتفى الشّر عنه لانتفاء نيته.

وهنا نحن نتكلّم عن الأشياء التي نظنّها نحن شرًا في الوجود، وهي منسوبة إلى الخالق العظيم الحكيم الذي أدركنا وجوده بشعورنا الصّادق، فكيف نتّهم نيته، ونحن لم نتهم نية آبائنا، وهم يضربوننا عندما كنّا صغارًا، فكيف نشكُّ في نية من خلق لنا الآباء، والوالدين.

ما دمنا نثق في حكمة وعدالة الخالق التي أدركناها، ولمسناها من خلال خلقه وحكمته اللامتناهية في هذا الكون.

النّقطة الثّانية: أليس الموت الذي هو نهاية للحياة شر، وأنت لا تستطيع أن تحكم على ألم الموت إلاّ إذا جرّبته، لا بدّ إذن من سماع رأي الأموات، فقد يكون موتهم الذي نظنه نحن شرًا كبيرًا، هو خير وراحة، وهذا لا يكون إلاّ في اليوم الآخر، أمّا أن لا يكون هناك يوم آخر كما يقول الملاحدة، فما الإشكال في الأمر، فالتهمة التي تتّهمون بها الخالق سبحانه ستُقَيَّد ضد مجهول، لأنكم قلتم وادّعيتم أن لا خالق موجود.

أليس النوم مثل الموت، لكن الإنسان يستمتع بالنوم ويهيئ نفسه له من لباس وفراش وسرير؛ وما الموت إلا نوم طويل في ظنِّ المؤمنين، ومن المؤكد أن الإنسان القديم في أول تجربة للنوم سواءً له أو لمن معه كانت تشعره الوجس والخوف، ولمن مع التجربة والعادة أصبحنا نحب النوم ونفرح بمجيئه وقد نستدعيه نحن ببعض الأدوية والعقاقير، فلما لا يكون الموت مثل النّوم، وقد نكتشف في اليوم الآخر كما تقول السّرديات الدينية أنّه كذلك بل ربما هو انتقال لعالم أحسن.

النّقطة الثّالثة والأهم: لنسأل ذلك الكاتب الغربي الذي رويت لكم قصته، ونقول له: كيف حكمت على هذا الفعل (رمي الرّضيع في المحرقة) كيف حكمت عليه أنه شر، ربما هو خير، سيقول كيف؟! سنقول: من أين لك تلك المِسْطَرة، أو ذلك الميزان الدّقيق الذي تحكم به على خيرية الأفعال من شرِّها، فلولا ذلك الوعي الذي وهبه إيّاك الخالق وأصبحت بواسطته تحكم به على من وهبك إياه؟! وهل لو رأيت شخصًا آخر مثلا يأخذ خنزيرًا من أمّه، ويقتله، ثمّ يأكله… هل هذا شر، أم خير؟ كيف تحكم على أمرين متشابهين بحكمين مختلفين؟ لولا أنّه ذلك الوعي الذي جعل لك مكانة في هذا الوجود، وجعل كل المخلوقات في خدمتك، وتحت سلطتك.

إذن يا أيها الكاتب الغربي الملحد، إن ذلك الشّعور الذي تحرّك بداخلك لحظة أخذوا الرّضيع للمحرقة هو ليس من إنتاجك أنت بقدر ما هو من الله الحكيم العادل الرحيم لتتحرّك أنت، وتمنع الظّلم في هذه الحياة، لا أن تبقى أنت تشاهد، وتنتظر تدخّل الإله، ألست أنت الخليفة وفق النّصوص الدّينية، فهيّا إذن تحرّك لنشر العدل، والحبّ، والخير، والإله في اليوم الآخر يجازي الجميع، قد يقول أنا لا أستطيع لأنّني مقيَّد، ومسجون، نقول إنّ الشّعور بالظّلم خاصّ بالبشر ككل، وعليهم أن يتحرّكوا ضده، وأن يشكروا الخالق الذي وهبهم هذا الميزان الذي نحكم به على خيرية الأفعال من شرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات