لا أتردّد بل لا بد لي قبل أن أسترسل في الكتابة، أن أكرر إقراري بأنني مُسلم أشهد بوحدانية الله تعالى، وبنبوّة محمد «ص» وصدق رسالته، مؤمنًا بكل موجبات الإيمان المتفق عليها! لا أقول ذلك لكون ترديد الشهادة تجديدًا مستحبًا للإيمان فحسب، بل أقوله أيضًا سدًّا لذريعة الذين تدفعهم غريزة التضليل المكتسبة عندهم إلى المسارعة إلى تضليل كل من يؤيد عنوان هذه المقالة «قبل أن يتموا قراءتها» فضلًا عن كاتبها! ورغم أن الإضافة في العربية تكون لأدنى ملابسة -كما يقول أهل اللغة- وأن الله قد أضاف هودا النبي إلى عاد «الكفار» بقيد الأخوة، «وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا» (الأعراف 65). إلا أن كل ذلك لن يمنع المعتادين على الإسراع في الحكم قبل التمعن في النظر وقراءة باقي النص من الحكم على المقالة وكاتبها. ولا أعتب في ذلك عليهم كثيرًا، إذ كيف يمكن لملحدين لايؤمنون بوجود الله أن يكونوا أخوة لنا في البحث عنه؟!

وقبل تحديد مغزاي من «إخوتي في البحث عن الله الملحدين» لا بدّ لي أن اُعرّجَ على ما دفعني للتفكير بهذا الموضوع، ألا وهو ما يذكره البعض من «إخوتنا» المؤمنين عن أولئك الملحدين. إذ يهالُني دومًا ما كنت أسمعه ولا أزال من كثير «علماء» الدين ودُعاته في بلادي عن «الملحدين»! سواء في الكتب والدراسات والمقالات، أو على المنابر في الخطب والمواعظ والمحاضرات التي يُرجى بها وجه الله عادةً! إذ إنهم لا ينفكّون يَذكرون هؤلاء «الملحدين» بأبشع ما تبلغه ألسنتهم من ألقاب يستسيغون ذكرها حتى وإن كان بعضها لا يليق بمقام تلكم المنابر والمساجد، ويكون ذكرهم عادة مشفوعًا بسيل من أدعية الويل والثبور! وإن تنازل أحدهم مدعيًا الحوار مع الملحدين، فإنه ينهال عليهم بسيل من السخرية والاستهزاء والتسفيه والتجهيل، مستغلًا غيابهم «في الأغلب» عن مقامه ومجلسه، ومستثمرًا إحاطته بجموع وحشود من المؤيدين له المناهضين لهؤلاء الملحدين، والذين يُلهبون المشهد بالتهليل والتكبير أحيانًا، وبالتصفير والتصدية في أحيان أخرى! مرددين بحماس هستيري دعوات شيخهم على الملحد المسكين بكل ما لا يسر أحدًا. ولا أدري من أي كتاب أو سنة أتى هؤلاء الدعاة والشيوخ بكل هذه الضغائن والأحقاد ليصبوها على هؤلاء الملحدين!

ولا أدري أيضًا ما الذي دهى هؤلاء الذين يعرّفون أنفسهم بـ«الدعاة» ليلزَموا أسلوب السخرية والاستهزاء تجاه هؤلاء الفئة من الناس؟! فيا تُرى هل تأكدوا هم من مصيرهم في الدار الآخرة، وضمنوا حسن الخاتمة لأنفسهم؟ أم أنهم تأكدوا من كونهم من أهل الجنان خالدين فيها أبدًا، وأخذوا بذلك عهدًا وموثقًا من الله؟! أم هل أنهم اطلعوا على الغيب ورأوا هذا «الملحد» -الذي يحاورونه بهذا الأسلوب- في النار والجحيم الأبدي؟! وما أدراهم أن الله لن يهديَهُ «أي المُلحد» إلى الإيمان والتدين -ومثال ذلك كثير في عالمنا- فيدخله جنات نعيمه؟! وما أدراهم أن الله لن يحبط عملهم «أي هؤلاء الدعاة» ويختم لهم بالسوء ويوردهم النار الأبدية وبئس الورد المورود! «أفأمِنُوا مَكرَ اللهِ فَلا يَأمَنُ مَكرَ اللهِ الا القَومُ الخَاسِرونَ» (الأعراف 99)!

ولا أدري على أي نص يعتمد دعاة الدين هؤلاء -وأخص المسلمين منهم- في أسلوبهم الساخر المستهزئ المُشين هذا؟! فالمتتبع المدقق لنصوص آي الذكر الحكيم، وسيرة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- لا يرى من هذا شيئًا، بل قد يرى عكس ذلك تمامًا! فالقران مليء بمحاججة الكفار والملحدين بأدبه وأسلوبه المعروف بالرقي والجمال، وهو الذي أمر أتباعه بمجادلة المخالفين في الدين بصيغة المشاركة «المفاعلة»، ولكن بأي أسلوب؟ لم يشر عليهم بالأسلوب الحسن، لا؛ بل أمرهم باتخاذ الأحسن! «وَجَادِلهُم بِالتي هِيَ أحسَن…» (النحل 125). فهل الأسلوب الذي يستخدمه هؤلاء الدعاة هو «الحِكمَة والمَوعِظَة الحَسَنَة» التي أمر بها الله تعالى للدعوة إلى سبيله؟! ألا يَشي ظاهر مثل هذه الأساليب بقدر غير قليل من العُنجهية والغرور والتكبر؟! وهل هذه الصفات هي التي دعا القرآن الدعاة إلى اتخاذها في أثناء دعوتهم إلى طريق الله وسبيله؟!

والآن، من هو الملحدُ المقصود هنا؟

لا شك أن تعريفات الملحدين وأصنافهم وأنواعهم متعددة متباينة، ويمكن الرجوع إلى الكثير من المصادر والمراجع في ذلك، ولكن التصنيف الذي يهمنا هنا الآن هو تصنيفهم من حيث صدقهم في ما يَدعون، أيًّا كانت دعواهم أو أفكارهم في ما يدّعون، فمنهم من يُظهر طقوسَ الإلحاد وشعائرَهُ تشبهًا بهم وتمثيلًا، لكي يظهر متميزًا عند الذين يَرَوْن الإلحاد ميزةً! ومنهم من يلحد تقليدًا لصديق أو قدوة يرتئيه، فهو ملحد تابع مقلد! ومنهم من يلحد بناءً على طلب من شخص أو جهة أو جماعة أو تنظيم ليطبّل لهم ويُزمّر ويسُبّ ويلعن –وربما- دون أن يكون مقتنعًا بما يفعل في أعماقه! ومنهم من يتخذ إلحاده حِرفة أو وظيفة مدفوعة الأتعاب مسبقًا، يسترزق منها! أي أنه ملحد مُسبق الدّفع (pre-paid)، وكثيرًا ما يكون هذا الصنف شديد العداوة لأهل الأديان والمعتقدات شرِسًا صعب المراس متعصبًا كثير الهفوات قليل الأدب في محاوراته ومجادلته لخصومه ومخالفيه. وأمثلتهم في شاشات التلفاز ووسائل الإعلام أصبحت أكثر من أن تعد في كثير من المجتمعات والدول.

ولكن، كل هؤلاء ليسوا المقصودين في هذه المقالة، وهم بالضرورة ليسوا مقصودين بأخوّة المقصد «الإخوة في البحث عن الله» المذكورة في عنوان المقال! بل المقصودون في هذا المقال والمقام هم أولئك الباحثون عَن الحقيقة، المشتاقون لوصالها، المفجوعون بغيابها وفقدانها، الباذلون لكل غالٍ ونفيس من أجل الوصول إليها، والساهرون الليالي بحثًا عنها في أعماق الصفحات والكتب والمواقع، الذين يتغيرون ويدورون بحسب الحقيقة التي يتوصلون إليها ويقتنعون بها غير معاندين ولا مكابرين، حتى وإن كان ما وصلوا إليه معاكسًا أو مناقضًا لعقيدتهم الأصلية التي كانوا عليها وجاؤوا بها، ولايدينون لغير الحقيقة لأحد، ولا يخافون في إظهارها أو اتباعها لومة لائم. وحين تكون الحقيقة التي يبحثون عنها هي «الله» فإننا حينئذ شركاء في ذات الطريق متسابقون فيه، وإخوة في ذات الهدف والمطلب، وكل منا يبحث عن ذات الشيء، إلا أننا «ربما» قد نكون سبقناهم بخطوة أو خطوات على ذلك الطريق الأبدي الطويل. فكلانا لا يزال يبحث عن الحقيقة العظمى التي لا يمكن الإحاطة بها أبدًا. ونحن على يقين بأنهم ما داموا صادقين في بحثهم ونيتهم فإنهم بالغوا مرادهم ومطلبهم عاجلًا أم آجلًا. ولا يُستبعد أبدًا أنهم قد يسبقوننا في ذلك الطريق؛ بل إنهم قد يكونون سبقونا فعلًا، فرغم كون ما وصلوا إليه من الأدلة والبراهين أكثرَ مما بلغتنا، إلا أن علوّ همّتهم وسِعة مداركهم وعُمق ثقافتهم قد تقف عارضًا أو مانعًا مؤقتًا أمام وصولهم لمبتغاهم، أو أن سببًا غامضًا يحول دون إعلان إيمانهم واعتقادهم الجديد!

فإذا كان على كل من يدعي الدعوة إلى الله «أو يَمتَهِنُها»، أو يسير في مسارها بصدق أن يُلين الكلام ويختار «الأحسن» في جداله لمن يُعرَفون بالملحدين عمومًا، فإنهم عليهم أن يكونوا أكثر لينًا ورِقّة وصبرًا وأدبًا وعُمقًا مع هذه الفئة المقصودة هنا من الملحدين، وعليهم «أي الدعاة» أن يدَعوا ما تعوّدوا عليه «أغلبهم وليس كلهم» من السخرية والنقد اللاذع والتقريع والتجزيع والقنيط تجاه الملحدين عمومًا وهؤلاء الملحدين الباحثين المتسابقين في طريق الله خصوصًا. ولربما يتذكر هؤلاء الدعاة كثيرًا من أقرانهم الذين كانوا أشد منهم وطأة وسطوة في مقارعة من يُعرَفون بالملحدين، ولكنّ المآل انتهى بهم إلى الانحراف عن جادة الطريق التي كانوا يسلكونها ويدعون إليها والعياذ بالله!

ولا بد لي في الختام أن أدعوَ هؤلاء الملحدين، خصوصًا منهم المقصودين في هذا المقال، إلى الاستمرار في البحث المخلص الصادق الدؤوب والمستمر، وبذل كل جهد ممكن في الوصول إلى الحقيقة بل الحقيقة العظمى، التي لا يُخفون عِشقهم لها وهيامهم بها، وأن يلزموا في سعيهم الأسلوب المؤدب الهادئ المنفتح الجميل في المناقشة والجدل، تاركين وراءهم كل الهازئين الهزيلين من الجهلة والمزايدين والمرائين ممن يلفون أجسادهم بعباءة أهل العلم، ويلفون رؤوسهم بخرقها ظلمًا وعدوانًا، أيًّا كانوا وأينما كانوا. وأدعوهم أن يبحثوا محددين وقاصدين الحقيقة المطلقة «كما يسمونها»، والله تعالى كما نسميه! ونحن نؤمن بأنه كفيل بهدايتهم إن هم صدقوا النية وأحسنوا النهج إن شاء الله، إذ إنه هو الذي وعد المجاهدين فيه بهدايتهم إلى سبله، «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا» (العنكبوت 96)، وما ذلك على الله بعزيز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد