كثيرًا ما يقف الإنسان عاجزًا عن تحديد مفهوم للإيمان، وخاصة بعد الاستدعاء النصي للتراث وقولبته بطريقة تجعل كل من خرج عن ذلك المفهوم «التراثي»، ليس بمؤمن، وفي الحقيقة إن هذا النموذج التراثي، إنما هو في حقيقته جزء من ردود علم الكلام  على فرق وفلسفات كانت قائمة في فترة زمنية معينة، ثم أصبح ذلك الفهم والمصطلح «العقائدي!» بمثابة «الوحي»؛ فقدس، ثم أصبح مقياسًا لدخول وخروج الناس في دائرة الإيمان والإسلام، وبذلك يضيع الفرد بين اختلاف التعريفات التي جاءت في تراثنا الفقهي والعقائدي، بل قد تضيع حياته وتنتهك حرمته تأسيسًا على ذلك الفهم التراثي المقدس.

أما حقيقة الإيمان، فقد جاءت بطريقة نصية يدركها العقل، وعقلية متفاعلة مع الكون، فأثبتها النص تأسيسا  لمنهجية «الإيمان الحقيقي»، وهو ذلك الإيمان الذي الذي توصل إليه سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ ووضع له مجموعة من الخطوات والأسس المنطقية التي إذا ما اتبعها أي عاقل، فسيتوصل إلى نتائج عقلانية وثابتة ومقنعة ومطمئنة، وقد جاءت هذه التأسيسات عند سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ على ثلاثة أركان أو منطلقات هي:

أولًا: التساؤل طريق الإيمان الحقيقي.

وتجلى ذلك من خلال الآيات القرآنية في سورة الأنعام «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ●وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ●فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ●فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ●فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ●إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» [الأنعام :75-79]

حيث نجد إن هناك ثلاث أنواع من التساؤل الذي اتبعه سيدنا إبراهيم عليه السلام

ا- التساؤل مع أبيه وقومه: وهي نقطة المفاصلة الحقيقية لدى إبراهيم ـ عليه السلام ـ وبنفس الوقت نقطة الانعتاق، والإنطلاق نحو العودة إلى الفطرة واستخدام العقل بطريقة سليمة، فهو لم يرضخ لجبرية قومه بأن يعبد ما كان يعبد الآباء والأجداد، إنما بدأ بالتفكر والتساؤل والبحث عن إيمان يقنع عقله الفتي، ويطمئن قلبه الحائر، فتوجه إلى قومه يسألهم عن تلك الآلهة التي يصنعها لهم أبيه كيف يمكن أن تكون هي خالقتهم؟ وبذلك ابتدأ زلزالًا  في عقله، وعقول من حوله فأدرك سخف أجوبتهم «الجبرية التسليمية السلبية»، إن الإله الحق ليس هو ما يعبدون، وهذه الآلهة قد تتكرر عبر الزمان والمكان، آلهة، أفكار، تراث، جماعات…، فانطلق يبحث ويتساءل مرة أخرى، وهذه المرة مع الكون وإجرامه.

ب- التساؤل مع الكون: ويظهر ذلك بطريقة الاستدلال العقلي والمنطقي على أهمية التفكر في «الكون»، والوصول منه إلى معرفة الخالق ـ جل في علاه ـ فهي حوارية قل أن تجد مثلها في أي كتاب مقدس، بل لن تجدها، إلا في القرآن؛ لأنه جاء ليدفع الناس إلى قراءة الكون المنظور، كما يطلب منهم أن يقرأوا القرآن المسطور. إذن هي الخطوة الثانية في نفي متسلسلة منطقية لكل الآلهة المزعومة أو المتوقعة، حتى لو كانت أكبر الإجرام السماوية. وهنا عندما أدرك أن كل هذه الأجرام «الأجرام هنا تمتلك رمزية عبر الزمان والمكان «آلهة، أفكار، تراث، جماعات، أحزاب…» آفلة. انطلق إلى «التساؤل الاستدلالي» مع نفسه.

ج – التساؤل مع النفس :هي لحظة وئام بين العقل المنطقي والقلب العاطفي بين الروح المتعلقة ببارئها وبين الجسد المؤمن بكل ما هو مادي… هي لحظة تساؤل للنفس ولحظة وصول إلى قناعة بأن الإله الحق لا تدركه الأبصار، إنه خالق «قومه والكون والإنسان، بل هو الذي فطر كل شيء» إذن فهو المستحق الوحيد بأن أفرد له صلاتي وحياتي كلها، بأن أمتثل للوظيفة التي كلفني بها. بأن أعمل كل أعمالي، وأتحرك لبناء هذه الحياة، وأنا متيقن بأنه يراني.

ثانيا: الشك، خطوة نحو زيادة الإيمان

بعد عدة سنوات من الإيمان الاستدالي والحركة في الحياة والانغماس في الماديات كضرورة لبناء الحضارة قد يبلى الإيمان، كما يبلى الثوب، فيحتاج إلى إعادة إنعاش. يأتي الشك الإبراهيمي، ليس لإعادة الإيمان إلى طبيعته فحسب، بل ليزداد إيمانا. «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» [البقرة : 260]

وفي هذا الشك ثلاث وقفات:

  • ليس هناك خطوط حمراء: نعم، إنها نقطة حاسمة في تاريخ الإيمان، يقررها القرآن أن «سل ما بدا لك»، استعمل عقلك، واقتنع، ثم تحرك! فعبارة «نفذ ثم ناقش، أو قولبة العقول وتقديس التراث» قد تم إلغاؤها في هذه الحضارة. تأتي هذه الآية في العهد المدني لتكمل قصة الإيمان الإبراهيمي، أي أنها جاءت بعد حركة الصحابة في الحياة وانغماسهم في بناء (دولتهم، حضارتهم المرتقبة) وتعاملهم مع الماديات الضرورية لبناء الحياة. فأصبح هناك ركام على ذلك الإيمان كنتيجة طبيعية للتفاعل بين الثنائيات (الوحي /الواقع)، (المادة/الروح)، (العقل/العاطفة)، (الفرد/الجماعة).. فتنزل هذه الآية لتجدد ذلك الإيمان، بل لتعيد مفهوم التساؤل مرة أخرى إلى الواجهة، ولكن هذه المرة بطابعه المدني.
  • الرقي في الأسلوب: المتأمل لطريقة الشك الإبراهيمي، وطريقة عرضها يجدها قمة في الرقي في التساؤل وطلب الأدلة فلم يتجاوز سيدنا إبراهيم عليه السلام أسلوب الأدب مع الله، بالرغم من أنه امتلك جرأة في طرح تساؤله فلم ينس في لحظة «الضعف العاطفي»، و«القوة العقلية» الأدب في التعامل مع الله تعالى وهذه الحقيقة تأتي في العهد المدني الذي بدأ في الاحتكاك مع ثقافات وأديان أخرى تمتلك «رؤية» خاصة عن «الله»، قد لا تتفق مع الرؤية الإسلامية.

وفي مثل هذا التفاعل بين «الثقافة الإسلامية» المبنية على ركنين أساسيين: الوحي الإلهي، والعقل. وثقافات أرضية اختلط فيها الوحي مع البشري المادي مع الفلسفي السفسطائي، تأتي هذه الآية لتعمق هذا المفهوم في وجدان وعقل صناعة الحضارة، وتنطلق بهم إلى أعلى درجات الرقي في الحوار الذي سيكون منطلقًا أساسيًا في هذه الحضارة الوليدة، وتنتقل بالشك من مرحلة الجدل إلى مرحلة البحث عن الأدلة «أرني كيف»، ولم يقل «هل تحيي».

  • الاطمئنان القلبي:

بعد البحث والاستكشاف بطريقة «التجربة العملية»، والتي اشتملت على أركان البحث العلمي المنطقي كاملة، يأتي الاطمئنان القلبي الذي سينتقل  بالإيمان إلى مرحلة أخرى، هي مرحلة «الإيمان التطبيقي».

ثالثا: الإيمان التطبيقي:

هي مرحلة العودة إلى «الفردوس»، الذي أخرجنا منه إبليس، عندما «أخفق» أبونا آدم ـ عليه السلام ـ في أول الأمر من الانتقال إليه، يأتي سيدنا إبراهيم ليعيدنا إلى ذلك الفردوس مرة أخرى، بالانتقال بنا إلى مرحلة الإيمان التطبيقي، والذي اشتمل على ثلاث نقلات:

ا-التسليم الإيجابي للأقدار الإلهية: «رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» [ابراهيم : 37]

إنه ليس تسليمًا سلبيًا ينتظر أن يفعل به القدر ما يشاء كالريشة في مهب الريح، وإنما هو «إيمان تسليمي إيجابي»، بأن الله لن يضيع أهله، فسيرزقهم رزقًا حسنًا وتهوي إليهم أفئدة الناس. وقد أدركت أمنا «هاجر» ذلك الإيمان الإيجابي، فسألت أبانا إبراهيم «ءأالله أمرك بذلك؟ فقال نعم، فقالت: فلن يضيعنا الله»، وبالرغم من ذلك، بدأت بالسعي بين جبلي الصفا والمروة؛ لتدفع أقدار السوء «العطش»، والعطش هنا رمزية لكل أنواع العطش «الفكري، العقائدي، الروحي، المادي، الثقافي، الحضاري»، هذا العطش هو «قدر سوء» دفعته أمنا بالسعي، والسعي هو «قدر الخير» الذي ندفع فيه كل أنواع الظمأ.. الذي انحدرت إليه أمة كان من المفترض أن تستلم راية العودة إلى الفردوس بقيادة سنة خير الأنام وعلى «ملة» طريقة إبراهيم عليه السلام.

ب- الامتثال للأوامر الإلهية: «فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ» [الصافات : 102] من الطبيعي جدًا أن تسلم مرحلة التسليم لقدر الله إلى مرحلة «الامتثال الطوعي» للأوامر الإلهية هذا الامتثال هو الخطوة الأساسية لمرحلة التمكين والاستخلاف، وهو الشرط الأساسي لختام رحلة العودة للفردوس المفقود الذي فقدناه يوم سبانا إبليس بشهواتنا وشبهاتنا. هذا الامتثال يتجلى بالوصول إلى تحقيق مقاصد  الوحي  في حياتنا صغيرها وكبيرها هو الركن الذي سنبني عليه فردوسنا الأرضي وفقًا للمنهج الإلهي الذي ستتحقق فيه سعادتي الدنيا والآخرة، هذا الامتثال تمثل بحكمة الشيوخ «إبراهيم» عليه السلام، وفتوة الشباب وعزمهم «إسماعيل» عليه السلام، «يا أبت افعل ما تؤمر». إنه إعانة من الشاب للشيخ على تطبيق ذلك الأمر، إنه إشارة لتمازج الأجيال لتحقيق الوظيفة (العبادة/الاستخلاف). إنه ليس البقاء للأصلح، إنه ليس الصراع من أجل البقاء. إنه العكس من ذلك، البقاء لأكثر تعاون، وأكثر توازن. إنه التعاون من أجل الحياة. حياة الجميع، حياة توازن بين طياتها المادي والروحي، العقلي والعاطفي.

ج- البناء الحضاري والاتصال بين السماء والأرض «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ●رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ●رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» [البقرة :127-129] أنها أهم لحظة في حياة البشرية، أنها لحظة التحقق الإنساني لحظة الفوز لحظة العودة إلى الفردوس وبنائه، لحظة أداء الوظيفة التي كلف الإنسان بها من قبل من استخلفه. لحظة بناء ذلك البيت الذي أصبح رمزًا للحضارة التي أسعدت البشرية، تلك الحضارة التي شعر الإنسان فيها بالطمأنينة والتوازن والراحة ورفعته إلى قمم السماء كذلك البيت الذي رفع قواعده أبونا إبراهيم عليه السلام. ذلك البيت الذي أصبح مثابة للناس وأمنا من كل المخاوف (مادية/معنوية). ذلك البيت الذي تعاون في بنائه الأب الشيخ بحكمته والابن الشاب بفتوته؛ ليكون رمزًا على تفاعل الأجيال في أداء وظيفتها في الوجود، إنها البناء الختامي لذلك الإيمان الذي ابتدأ برحلة البحث، واستمر حتى وصل إلى الفردوس السماوي الأرضي.

هذه هي الأسس التي وضعت ليتفاعل العقل مع القرآن المسطور من جهة، فيبحث عن التلائم والتناغم بينه وبين القرآن المنظور من جهة أخرى؛  فيثبت الأصول الثلاثة عقلًا «الايمان بوجود الله تعالى ووحدانيته، والرسالة المحمدية، والقرآن كتاب الله تعالى» وبذلك يجرد كل الآلهة «الأفكار، الأحزاب، الجماعات، التنظيمات، التراث…» من سلطتها الزمانية والمكانية، وينزع عنها قدسيتها  ليعيدها إلى خالق الزمان والمكان، ثم إلى أداة فهم ذلك الزمان والمكان؛ ليحقق الفردوس ويستعيده ذلك الفردوس الذي يسعد الإنسان، أي إنسان، بغض النظر عن اعتقاده وانتمائه.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد