«وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ » (الرعد- 8) لم تكن المرة الأولى لسماعي هذه الآية الكريمة، لكنها المرة الأولى التي تأملت في ما تحمله من معنى عظيم، بشكل نزل سماعي لهذه الآية الكريمة على قلبي كمطر يروي أرض صحراء في وقت تكاثرت فيه الهموم والمتاعب ومنغصات الحياة بكافة أشكالها، نزلت على قلبي لترويه وتزيل عنه شوائب الحزن والقلق، لتملأه بالطمأنينة واليقين والسكينة، وكأنها إشارة من الله سبحانه وتعالى على ماذا نحن نحزن ويتراكم على القلب الهموم والمتاعب؟ لماذا يسيطر علينا الهم ويغلب علينا التشاؤم؟ لماذا ينشغل العقل بكل تفكير سلبي؟ لماذا لم نعد نعيش يومًا سعيدًا؟ لماذا لم نعد نؤمن بالأمل والتفاؤل؟

فتأملت حالنا نحن أمة المصطفى محمد -صلى الله عليه وسلم- وما نعانيه من ويلات وهموم ومتاعب وصعوبات بكافة أشكالها من الحياة، وخاصة نحن أهل غزة فلا أحد يخلو من هم، أو حزن، أو جميع ابتلاءات الحياة كافة.

وتساءلت ماذا لو استقر مفهوم هذه الآية الكريمة «وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ » في شغاف قلب كل مؤمن؟

ماذا لو سلمنا أمرنا كله لله عز وجل؟ ماذا لو أيقنا يقينًا تامًا بأن الله وحده قادر على كل شيء، وأنه أمره قدر مقدور؟ وإنا في هذه الحياة نفر من قدر الله إلى قدره سبحانه وتعالى، وإن كل شيء بأوان ولحكمة أرادها الكريم سبحانه وتعالى لقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا» (الطلاق- 3).

فالموت مقدر، والرزق مقدر، والحب مقدر، والفراق مقدر، والفقر والجوع مقدر، والخير والشر مقدر، والألم والحزن والمرض مقدر، والمقدر واقع كله بإذنه تعالى. فكل شيء بمقدار، مقدار دقيق بعلم دقيق شامل، وبحكمة دقيقة لا يفوتها شيء وبلطف ورحمة الرحمن الرحيم.

سلم لله أمرك كله وادعوه بقلب خالص متيقن بأنه مجيب الدعاء وإن طال، واستعن بالصبر وكن مع الله يكن معك سبحانه، ستقوى على ابتلاءات وشدائد الحياة، وتقابل الحياة بوجه وقلب جديد سعيد صبور.

أيها المؤمن حاجتك أنت للدعاء والاستعانة بالله سبحانه وتعالى أكثر من حاجة أي أحد آخر سواك، املأ قلبك إيمانًا وصبرًا ويقينًا، واستعن بالله لا يعجزك شيء.

كن يقظًا دائمًا واستشعر إشارات ودلالات وتنبيهات الله لك في كل حياتك، فإرادة الله أن يحفظ العبد المؤمن ويرسل له التنبيهات فلا مصادفة ولا صدفة؛ بل هي إرادته سبحانه وتعالى، ليحفظ الله بها العبد المؤمن، وعلى هذا العبد أن يستشعر هذه الإشارات والتنبيهات له ويأخذها للعبرة والعظة، وليتوب المؤمن ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى ويصبر لقوله تعالى: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» (الحجر- 75).

ولتكن في حفظ الرحمن الرحيم احفظ الله، احفظه سرًا وعلانية، احفظه في السراء والضراء، احفظه بكل جوارحك، احفظه في تعاملك، احفظه في مالك، احفظه في بلائك، احفظه في عبادتك، احفظه في كل حياتك، تجده سبحانه وتعالى معك يحفظك ويشملك برحمته.

اعرف طريقك جيدًا، وارجع لخالقك وكن معه يكن معك برحمته وحفظه، اسع دائمًا إلى طريق الحق والخير وكن حسن الظن به وتقرب إليه ليكن معك.

ابدأ صفحة جديدة بقلب خالص لوجه الكريم حبًّا وإيمانًا بخالقه وخَلقه وليملأ قلبك باليقين بأن لا أحد قادر على أن يمسح عنك أوجاعك ومتاعبك إلا الله الرحيم ولتكن معك رحمته ملازمة لقبك وأنه أقرب إلينا من حبل الوريد، وما خاب من استعان بالله لقوله تعالى: «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» (الطلاق- 3).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

سورة الرعد ( 8) ، سورة الطلاق (3)
عرض التعليقات
تحميل المزيد