كثيرًا ما يزعم أهل الأديان وورثتها وحتى الداعين والمتخصصين في علومها أن الدين (سواء كان اليهودية، أو المسيحية، أو الإسلام) هو مجموعة من المعارف والمعلومات يجب على المؤمنين بهذا الدين أو ذاك أن ينحتوها ويحفروا عباراتها داخل عقولهم ويرسموها على جدار ذاكرتهم، وبعد أجيال وقرون مرت من التكرار والتلقين الأعمى الذي يقدِم الشكل على المضمون ويجعل من الغاية وسيلة متجاهلًا كل المبادئ العامة والمضامين العميقة التي هي الهدف الأساسي من الدين، فما جاء هذا الأخير إلا رحمة للناس وهداية لهم ومتطابقًا مع فطرتهم ولا يُناقض عقولهم ولا يتجاهل طبائعهم البشرية.

لكن بعد الثورة العلمية المهولة ووصول الإنسان إلى حقائق ومعلومات غابت عنه لقرون طويلة وظنها جزءًا من الغيب الذي لا قدرة لنا نحن البشر على إدراكه ومعرفته، فعادت حركة النجوم والكواكب والأفلاك السماوية شيئًا يعرفه العقل معرفة تقترب من اليقين فيتنبأ العَالِم الآن بالخسوف والكسوف قبل حدوثهما وبدقة متناهية ويرصد سقوط الأمطار وحركة الرياح ويعرف حالة الأجنة وهي لا زالت في أرحامها، عندها قرر ثلة من ورثة وشيوخ الأديان السعي لإثباتها علميًا وبالأدلة القاطعة اليقينية وعندها وقعوا في مأزقٍ كبيرٍ ولم يستطيعوا الفصل في الأمر بإثباتات قوية تُرِيحُ العقول والألباب فتتوقف عن التفكير المُتعب والمرهق وتكون حجة المؤمن أمام الملحد ودرجة ترفعه على غير المؤمن وسنة وطريقة مطردة في كل الأديان، سواءً كانت الإبراهيمية منها أو حتى غير السماوية كالبوذية والهندوسية والكونفوشيوسية، وتشكلت فِرَقٌ ومؤسسات متخصصة في هذا الموضوع وعقدت مؤتمرات وندوات وفُتحت قنوات فضائية تؤكد انتصار دينها ومذهبها على الأديان الأخرى، مما أدى إلى ظهور التعصب والتشدد وعادوا يدافعون عن تلك المعلومات التي ظنوها دينًا لقرون وتجاهلوا مضامين الدين نفسه، وأصبح المهم عندهم أن ينتصروا في المباراة التي أعلنوها على مخالفيهم ولو بالتواطؤ مع حكمها الذي هو العلم فيحرفون حقائقه أحيانًا ويأولون نتائجه لتكون أهدافًا في مرمى مخالفيهم.

في حين أن الإيمان موقف وردة فعلٍ شعورية للإنسان تجاه الوجود الذي يعيش فيه والشعور لا يحتاج إلى إثبات لأنه هو الإثبات لوجودنا نحن كذوات واعية في هذا الكون العظيم. كالأخلاق مثًلا، فالموقف الأخلاقي الذي يتخذه الفرد منا تجاه حالةٍ يواجهها لا نحتاج إلى دليل لنثبت صحتها، إنما نرى أنفسنا قد وافقناه فيما فعل وفيما اتخذ من مواقف وأُعْجِبْنا بتصرفه ذاك كمساعدة مسكين مثلًا أو إعانة شخص مسنٍ أو موقف شجاع تجاه حاكم ظالم مُتَجَبِر، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا:

لماذا حكمنا على صحة ما فعل دون دليل؟ غير ذلك الإثبات التلقائي بداخلنا فحكمنا فورًا ومباشرةً أنه على حق، والشعور أصدق وأقوى الأدلة، كذلك الإيمان، إنه خُلُقٌ وموقف للإنسان نحو الوجود بكامله، بل أن الإيمان هو أصل كل خُلُقٍ.

العلم في حقيقته نافذة لمعرفة أسرار الوجود وطريق قد يؤدي بك إلى الإيمان وقد لا يفعل، لأنه لا يعطيك دليلًا قاطعًا جازمًا لا يمكن لأي شخصٍ أن يرفضه، ولو قدم العلم دليلًا يقينيًا على الدين والإيمان لتحول إلى جبرٍ وحتمية لا يمكن رفضها أو مناقشتها في حين أن الإيمان وفقًا لكلّ النصوص الدينية هو خيار وحرية.

قد يثبت لنا عالم أو طبيب أن السُكر أو الخمر مضرٌ بالصحة ثم يستخدم هذه الحقيقة العلمية فيقول لنا إن الدين صحيح وعلى حق، لأن العلم أثبت صحة ما نهى عنه وهذه ليست قاعدة ثابتة على كل أمور الدين والحياة، لأننا نجد أن هناك أشياء كثيرةً مضرةً بالصحة مع أنها ليست محرمة كأكل القمامة أو الطعام الفاسد أو تناول الفضلات أو شرب البول وغيرها من أمثلة تجعلنا وتفرض علينا أن نبحث عن خلفيات وعلل أخرى للتشريع الديني الذي يهتم بإنسانية الإنسان ويسعى لترقية روحه ونمو عقله، أما الجسم والمادة فهي وسيلة لتحقيق ذلك.

قد يقول أحدهم مثلًا بخصوص تحريم الأشياء الأخرى كالتي ذكرناها أن هذا إلقاء بالنفس في التهلكة وعليه فهي حرام منهيٌ عنها، لكن الفرق أن الخمر مذكور بلفظه واسمه في النص ولو صنع العلماء يومًا خمرًا غير مضرٍ بالصحة ما انتفى التحريم عنه؛ ما نودُ قوله هنا أن الدين والإيمان عبارة عن ردة فعلٍ للإنسان تجاه الوجود الذي وُجِدَ فيه دون إرادةٍ منه فحتى كلمة الإيمان توحي بذلك فهي مشتقة من أَمَنَ أو آمن بمدِ الألف أي الأمن أي شعور الإنسان بالأمان في هذا الكون الكبير والمجهول بالنسبة له وأن وراءه ذاتٌ مقدسة تُحب له الخير والجمال، وقد شاهد ذلك بنفسه وهو يجول بين أطراف الكون في ذلك المطر الذي يسقيه ويرويه ويخرج له الزرع وفي تلك الشمس التي تنير له الأرض وتحميه من البرد ورأى ذلك حتى في حاجبه الذي يحمي عينيه من السوء وقفصه الصدري الذي يحمي قلبه من كل شيء قد يعترضه وهو يركض بين الجبال والأشجار قديمًا يبحث عن قوته وأكله… إلخ.

و لو بحثنا بين آيات القرآن الكريم الذي هو النص الوحيد السليم من تأثيرات التاريخ عليه، أو حتى العقول التي قد تُحرف وتُغير معناه كما حدث مع النصوص الأخرى لوجدناها تحثنا على النظر إلى دقة وعظمة وحكمة الخلق التي تبتعد كل البعد عن العبث أو اللعب أو الصدفة كما يظن البعض، ولو كان كل ذلك عبثًا أو صدفة في هذا الوجود لوجدنا أن الأمطار مثلًا تسقط عبثًا هكذا أو صدفة وبدون أية قوانين تضبط هذه الظاهرة ولوجدنا حركة الشمس عبثية لا انتظام فيها، فيوم تشرق فيه وتغيب في آخر أو تشرق من الشرق مرة وأخرى من الشمال أو الجنوب مثلًا، وقس على ذلك كل ظواهر الكون طريقة انتظامها وتناسقها وترابطها ببعضها البعض تجعل الإنسان المتلقي لها يجزم أن هناك عقل وحكمة وراءها، والقرآن الكريم لم يناقش فكرة الإيمان كونها معلومات ومعارف نحفظها ثم ننام، بل كشعور نشعر به ونحن نتأمل في أنفسنا وفي الكون من حولنا والشعور القوي سيدفعك للقول والعمل القوي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد