مول مصر وبرج خليفة ومطار الدوحة وساعة مكة، أشياء جميلة يحق لأهل هذه البلاد أن يفرحوا بها، تمامًا كهذا الشخص الفقير المغرم بجمع نقود العالم من يورو وين ودولار وفرانك وغيره، حتى إذا انتصف الشهر ونفذ راتبه جمع مقتنياته من النقود والعملات ووضعهم على الطاولة أمامه ونظر لنفسه في المراَة بابتسامة بلهاء وقال لنفسه: أنا غني!

يقول مالك بن نبي –رحمه الله – في كتابه «شروط النهضة»: «المقـياس العام في عملية الحضارة، هو أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها، وسيكون من السخف والسخرية حتمًا أن نعكس هذه القاعدة، حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها». وهذا ما نفعله تمامًا في بلادنا العربية الآن. ليس عيبًا أن نستخدم منتجات حضارة أخرى، لكن العيب كل العيب أن نعيش الوهم ونظن أننا بذلك قد تحضرنا، فتخيل يا صديقي أننا لا نستطيع أن نصنع سماعة طبيب أو آلة حاسبة أو كاميرا أو ساعة رقمية، لا نعرف علم مواد ولا إلكترونيات ولا برمجة ولا محاكاة وحتى لو تميز أحدنا في مجال فلم يحدث أن اجتمع متخصصون لصناعة اَلة أيا كانت. ماذا يا صديقي لو قرر الغرب ودول شرق آسيا غدًا منع تصدير منتجاتهم لنا؟ ببساطة شديدة فستصبح ناطحات السحاب بيوتًا للعنكبوت ولسكنا الخيام وركبنا الناقة ولعدنا قرونًا للوراء.

في زيارتنا لأحد المصانع الكبري ببرلين، وجدنا مكانًا مخصصًا لطالبة في كلية الهندسة تجري مشروع تخرجها فيه يساعدها في المشروع طالب بالمرحلة الثانوية، ويتردد عليهم المهندسون والفنيون المتخصصون لا يبخلون عليهم بالمساعدة والنصح والتعديل، في سيمفونية رائعة تربط التعليم بالصناعة. الحقيقة أن التعليم في بلادنا على الرغم من مستواه الضعيف إلا أن هناك خريجين أفذاذًا وأكفاء ومتميزين بفضل جهدهم الذاتي ونحتهم في الصخر، غير أنهم لا يجدون لأنفسهم مكانًا في بلادهم فليس هناك منظومة تربط بين التعليم ومتطلبات الحياة عندنا فالنتيجة الطبيعية هي هجرة العقول، وتفريغ الأوطان من شبابها هي أكبر جريمة تحدث اليوم.

د. مهاتير محمد -رئيس وزراء ماليزيا السابق –  عندنا سألوه عن سر النهضة الماليزية – قال: «أفضل ثروة في أي دولة؛ هي شعبها». مشكلة المرور في مصر نصفها طرق والنصف الآخر تنظيم، هل تعلم أن طلاب قسم كهرباء في كليات الهندسة يستطيعون حل مشكلة تنظيم المرور بمشاريع تخرج على نفقتهم الشخصية؟، هل تعلم أن مشروع تخرج يجمع طلاب كهرباء وميكانيكا وإنتاج برعاية شركة طموحة يستطيع أن يصنع محرك سيارة ولكن أحدًا لم يفعل! من يوجه هذه الطاقات ومن يستغل هذه الإمكانيات؟!، التقينا بأربعة من عقول البرمجة والصناعة في ألمانيا، مغربي وباكستاني وفلبيني والرابع ألماني!، يستغلون مواردنا المادية والبشرية أيضًا.

أول الطريق أن نعترف أننا خارج الحضارة وعلى هامش التاريخ وفي ركب القافلة يستغلون مواردنا ونستهلك نحن منتجاتهم وبلادنا طاردة لثروتها البشرية وبلادهم تجتضنهم. الفجوة كبيرة والطريق طويل والجامعات تعيش في جزر منعزلة عن المراكز البحثية – إن وجدت –، وأصحاب رؤوس الأموال يبحثون عن الكسب السريع السهل، والدولة تحت الانتداب! يا صديقي اعلم أن الحضارة إنجاز لا يمكن أن يباع أو يشترى، بل عمل دؤوب ومواصلة الليل بالنهار ومعمل وتجربة وخطأ وتصحيح وبحث ونظرية وتراكم خبرات على مدار أعوام وعقود، وما تأخر من بدأ، والله متم نوره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد