كانت وما تزال مسألة الخلود مسألة أبدية تشغل كل من مر على هذه الأرض من البشر، منذ آدم، عليه السلام، الذي كان الخلود هو أمنيته الأولى، والتي خدعه الشيطان من خلالها، لقول الله تعالى «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ»، مرورًا بنا نحن فردًا وجماعة. وكما يقول القائل: الكل يريد الجنة لكن لا أحد يريد أن يموت.

تعليقًا على ذلك نشرت مجلة «أنا أؤمن بالعلم» منذ عدة سنوات، وبالتحديد في يوليو (تموز) عام 2014، مقالة بعنوان «كم نحن البشر قريبون من الخلود؟»، والتي أبدى فيها الكاتب رأي العالم راي كورزوايل وأتباعه، الذين اتفقوا على أن البشر على بعد 20- 25 عامًا من امتلاكهم القدرة على العيش إن أرادوا. واعتمد إجماعهم هذا على أن تكنواوجيا النانو هي التي ستمكن الإنسان من التحكم في حياته، وذلك بإدخال روبوتات متناهية الصغر في عروق البشر لتنظيفها وتوفير صيانة دائمة ودورية للدم والخلايا، فهم يعتقدون أن الروبوتات مادامت تزود بالطاقة فستعمل بشكل جيد، وذلك سيمكن البشر من البقاء على قيد الحياة وإطالة العمر. لكن دراسته تلك قوبلت بالرفض في النهاية منه نفسه؛ لأنه أقر بأن الخلود مصطلح خاطئ لوصف تلك التطورات، لأن الخلود يعني استحالة الموت؛ ولهذا فالوصف غير دقيق، فالبشر مع تكنولوجيا النانو تلك سوف يظلون معرضين للموت، والموت عن غير قصد سيكون محتملًا.

ومع أن كورزوايل قد تنبأ بالعام الذي ظهر فيه الهاتف الذكي وقدراته، وتمكنه من وصف الإنترنت بكل دقة قبل اختراعه، إلا أن تنبؤاته سبق وأثبتت أنها أبعد ما تكون عن الدقة، والأمر لا يحتاج الكثير لدحض هذه النظرية، فبقليل من التمعن ستلاحظ أن ما يحيينا ليست الصحة أو الجينات، كما أن ما يميتنا ويفنينا ليس المرض أو التعب أو حتى الشيخوخة، فكم من شاب صحيح الجسد، قوي البنية، ظن أنه ملك الوقت والصحة ومات بلا سبب، وكم من شيخ وكهل مريض لا يقوى على الحركة قد تجاوز بحياته كلًّا من أبنائه وأحفاده، بل لو اجتمعت كل روبوتات وعلوم الدنيا لزيادة عمر إنسان ما قدره نانو من الثانية ما نجحوا، وتحضرني هنا قصيدة «هذا هو الله» للإمام الشافعي التي يقول في مطلعها:

لله فـي الآفـاق آيـات لـعـل.. أقلهـا هـو مـا إليـه هــداك
ولعل ما في النفس مـن آياتـه.. عجب عجاب لـو تـرى عينـاك
والكـون مشحـون بأسـرار إذا.. حاولْـتَ تفسيـرًا لهـا أعيـاك
قل للطبيب تخطَّفتـه يـد الـردى.. مـن يـا طبيـب بطبِّـه أرْدَاك؟
قل للمريض نجا وعُوفيَ بعدمـا.. عجزت فنون الطب من عافـاك؟
قل للصحيح يموت لا مـن علـة.. من بالمنايا يا صحيـح دهـاك؟
قل للبصير وكـان يحـذر حفـرة.. فهَوَى بها من ذا الـذي أهـواك؟
بل سائل الأعمى خَطَا بين الزحام.. بلا اصطدام مـن يقـود خطـاك؟
قل للجنين يعيـش معـزولًا بـلا.. راعٍ ومرعى ما الـذي يرعـاك؟

 الأمر يا سيدى يتلخص في وجود الروح. وما دمت لا تعرف ماهية الروح فلا أحد يخول له الحديث عن الخلود. لماذا؟ لأن الله تعالى قال في كتابه الكريم: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا».

كيف لبشر أن يتحدث عن الخلود وهو الذي يسأل الله الموت كل يوم لعدة ساعات؟ نعم! فالنوم هو الموتة الصغرى الذي تسلب منك الروح فيها وقتيًّا، ومن ثم يأذن الله بعودتها وعودة الحياة معها إليك، أو لا في بعض الأحيان، فإن أردت أن تفهم التركيب الإنساني فاقرأ في علم التشريح، وإن أردت أن تفهم الأعضاء فاقرأ في علم الوظائف، إن أردت أن تفهم نفسك فاقرأ في علم النفس، أما علم الاجتماع فسيفهمك الكائن الحي وعلاقاته، لكن كيف لنا أن نفهم الروح وهي المخلوق غير المرئي، غير المحسوس، وهي من أسباب القدرة القصوى على الحياة.

الروح أعظم شأنًا من كل جسد، وهي أعلى كيانًا من كل مجسم، هي كالعقل الباطن نستطيع أن نتحدث عنها لكن لا يمكن لمسها أو معرفة ما هيتها، كلما قرأنا عنها شعرنا بالعجز والفضول الزائد، تستنفذ معها كل قدرات الفكر المطلوبة للاطلاع على بعض أسرارها، لكن من يتحمل؟ فمعظم من نبتدأ الحديث معهم عن الروح يترددون من الخوض في معرفة ماهيتها بعد بضع دقائق، ذلك أن الجسد بجوار الروح هو لا شيء سوى أداة، فالجسم الرشيق، والوجه الجميل، واللسان العذب، والاسم الرنان هم أول ما نتخلص منه بعد مفارقة الروح للجسد، فنسمي صاحب الاسم الرنان بالجثة أو الميت، ولا تقل أين أحمد أو إبراهيم؟ كما أنه لو كان للجسد أهمية ما دفناه أو تخلصنا منه، ولكننا لا نقوى على صحبته أكثر من ذلك، صاحب الجاه والسلطة والخدم والحشم لا يقوى أحد على مجالسته بعد ذهاب الروح عنه، وذلك لرائحته المنفرة، ولا يسع أحدًا إلا أن يتمنى له الرحمة.

وهنا تكمن العظمة؛ لأن من تطلب منه الرحمة هو من خلق تلك الروح والجسد، وأحيانًا تلك الأيام التي استلفناها آنفًا منه سبحانه وتعالى، هو الذي لا عظمة إلا له ولا ملك ولا ملكوت إلا له، هو صاحب كل شيء، هو المالك والملك وهو الذي لا تقال إلا له، إنه على كل شيء قدير.

كلنا إلى زوال، فعش بتلك الحقيقة وستحيا حياة الكرام لوجود الموعظة، وستسعد فيما بعد ذلك كونك تعرف النهاية، ولهذا أقول لكل أصدقائي من ظن أنه صاحب شأن وعلو وسلطة فليحيي نفسه حتى 200 عام، أو على الأقل فليقاوم النوم لعدة أيام، ولنرى حينها من القادر.

ما معنى الخلود إن كنا حتى لا نعرف ماهية الوصول إليه؟ أو الوقوف على أدواته؟ وما معنى البقاء إن كان لنوح، عليه السلام، من الأعوام 1050 عامًا ثم أفني بعدها؟ ما معنى الوقت إن كان أصحاب الكهف النيام قد انقطعوا عن الدنيا، أو بالأحرى انقطعت الدنيا عنهم؛ لأنه لم يزر أحدًا الكهف الذي كانوا فيه كل تلك السنوات؟ 309 بأمر من الله ثم بعثوا من ثباتهم كما لم يكونوا. ومن ذا الذي يقوى على الحياة لمدة 500 عام في ظل هذا الكم من الحداثة والانفتاح والعولمة؟ فالشباب أنفسهم يقبلون على الانتحار لأسباب مختلفة، منها الاجتماعية، والسياسية، والنفسية، والعاطفية، والأسرية وغيرها، وهم في مقتبل أعمارهم، لا لشيء سوى فقدان القدرة على التحمل.

ولم يسع أي من السابقين للخلود إلا أصحاب الشأن وبعض علية القوم، وقد تم ذلك بعدة طرق مختلفة، ذلك أنهم لا يريدون أن يفقدوا ما يملكون أو ما وصلوا إليه، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: الإمبراطور الصيني تشن تشي، وهو أحد أشهر حكام الصين لأنه صاحب جيش الطين الموجود بمدينة شي آن الصينية، بالإضافة إلى خمسة من الأباطرة الصينيين الذين اتبعوا الطريقة نفسها، وهي تناول الزئبق الذي ظنوا أنه يطيل العمر فأفناهم في أعمار قصيرة.

الطريقة الثانية كانت عن طريق تناول الذهب، عشيقة ملك فرنسا هنري الثاني، ديان دو بواتيه، صاحبة الجمال الفائق كما وصفت في الكتب، كانت تشرب الذهب للمحافظة على شبابها لكن الذهب قتلها ببطء.

الطريقة الثالثة: قطع شرايين الخادمات صغيرات السن من قبل الكونتيسة الهنجارية إليزابيث باثوري، التي كانت تستحم في دمائهن لاعتقادها أن لها خواص سحرية في إطالة العمر، وأنريكا مارتي التي كانت تسرق الأطفال من شوارع برشلونة لتقتلهم وتستخلص الشحم من أجسادهم لتبيعه لأصحاب الطبقة الأرستقراطية، مدعية أنه يحافظ على الجمال ويقضي على الشيخوخة.

حجر الفلاسفة: يدخل الزئبق مكونًا أساسيًّا فيه، وقد فعل ذلك إسحاق نيوتن الذي تسمم بالزئبق.

كل هذه الطرق لم تشفع لأحد في إطالة عمره، وكل ما نفعله نحن البشر لا يمكن أن يجدي كذلك، لأن المسؤول عن الحياة ليس الجسد وإنما الروح التي لا يعلم عن حقيقتها أحد إلا الله.

أما المصريون القدماء فقد فطنوا لهذه الحكمة مبكرًا واستعدوا لما بعد الموت على طريقتهم، لكنهم خلدوا ما دام بعد فنائهم وكما قال أحدهم: «سيبقى أثري ما دامت السماوات»، وها نحن نجوب الأرض كلها وآثارهم ما زالت حاضرة شاهدة على كل التغيرات. أي خلود نسعى إليه ونحن لا طاقة ولا قدرة لنا بأيامنا.

القدرة للقدير الذي لا علم إلا له.. الله هو السند و المبدع وهو المسيطر، وحده صاحب الشأن ومالك الملك أراد لنا الراحة فقال قل الروح من أمر ربي، أي لا تسأل ولا تحاج فيها بل اعمل لما بعد فراقها. لأن الفصل في ذلك هو قول الله تعالى: «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ»، وقوله: «وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ».

وربما في المقال القادم بإذن الله نتحدث عن ماذا لو أصبحنا خالدين؟ فاللهم نسألك نفسًا مطمئنة لنا ولكم، وأرواحًا ترضى عنها بفضلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد