إنها سلسة الأحداث التليفزيونية المعاصرة التي أحدثت ضجة كبيرة في عالم الدراما، وخصوصًا في هذه الآونة الأخيرة، فقد أبرزت تأثيرها الملحوظ على أفكارنا وموروثات ثقافتنا الشرقية لتصيبها بالتشويش فتلعب على أوتار المشاعر لدى المشاهد البسيط ليظل بمزاج متلقب مبالغ فيه فيسبح بمخيلته في أعماق من الحزن أو الفرح بعيدًا عن التوازن المنطقي الذي نعيشه في حياتنا.

الأمر الذي دعانا لأن ننظر في مفهوم جديد انعكس على مجتمعنا وتطور بشكل كبير وهو محور حديثنا.

إنه مفهوم الثقافة البصرية، وهي مرحلة ثقافية تغيرت معها مقاييس الثقافة إرسالًا واستقبالًا وفهمًا وتأويلًا وتتمثل في الصورة، والحق أن الصورة تعتدي علينا فعلًا وتقتحم إحساسنا الوجداني وتتدخل في تكويننا العقلي؛ حيث إنها تتحكم في قراراتنا وتدير ردود أفعالنا وتؤثر في توجهاتنا الفكرية والثقافية.

والصورة بالمفهوم المقصود هي الصورة التي تظهر لنا في شاشة التلفاز، وهي المرحلة الأخيرة من مراحل الصيغ التعبيرية في الثقافة البشرية بعد مرحلة التدوين ومرحلة الكتابة، وعندما أتحدث عن الصورة في زماننا المعاصر فهي صورة متحركة بالغة التأثير لأنها تحمل معها العديد من الخصائص التي تخاطب العقل والمشاعر ووسائل الإثاره الفنية والمؤثرات الصوتية والضوئية والحسية؛ فقد أصبحت مصدر الاستقبال والتأويل، والأخطر من ذلك أنها جاءت لكي تكسر الحاجز الثقافي والتمييز الطبقي بين الفئات المختلفة فشملت كل البشر سواء أكان متعلمًا أم جاهلًا؛ فرؤية الصورة لا يحتاج إلى إجادة القراءة أو الكلمات، وهذا ما أدى إلى اختفاء شريحة النخبة، وعدم الحاجة إلى وسيط لتفسير الأحداث التي تتم؛ فأصبح كل مشاهد يستقبل ويفهم ويفسر ما يراه، ولكن بناءً على ما يشاهده من أحداث دون معرفة النص وقراءته جيدًا، ووجود الكاتب الوصي على هذا النص، واستقبال المادة المعروضة، وفهم تفسيرها جيدًا والدلالات المصاحبة، وما لها من منطق علمي، وثقافي راسخ، وهذا ما تلاشى في زمن الصورة فحلت محله النجومية.

فأصبح النجم هو القدوة بالنسبة للمشاهد لما يحمله من مواصفات فنية وثقافية وقدرة على الوصول لقلب المشاهد، وتمثيل الصفات ببراعة معتمدًا على قدرات النجم الصوتية والشكلية التي لها بالغ التأثير في المشاهد؛ فإذا تضاءلت قدرات النجم الصوتية والشكلية تمت إزاحته من الساحه الفنية دون النظر لرصيده الفني أو رقي الأسلوب الذي يستخدمه في التمثيل وبراعته والتزامه.

وجاء الخطاب الدرامي في السيناريو والحوار ليعكس رؤية الكاتب الفنية واعتمادها على عوامل الإثارة في المشاهد بعض النظر عن مصادر المعلومات والحقائق والوثائق المؤكدة لها والنص المكتوب، الأمر الذي أدى إلى جعل وسيلة الاستقبال تعتمد على المشاعر والإثارة بغض النظر عن قراءة النص وفهم محتواه فهمًا جيدًا فجعل من المشاهدين مجرد مستقبلين للأحداث كاملة وغير مدركين مدى طبيعة هذه الأحداث وخطورتها ومناسبتها للواقع الذي نعيشه.

للأسف أصبحت الدراما تتلاعب بأفكار المستقبلين، وطبعت على وجوههم قناعًا زائفـًا له طابعه الخاص المبالغ فيه، والذي تطور فيما نراه في العديد من السلبيات التي تحدث في المجتمع بصورة شديدة الخطورة، والذي تعكسه الحلقات الدرامية؛ فأصبحوا يرون واقعهم في الدراما التليفزيونية ويستجيبون لها ويتحركون بكامل مشاعرهم لما فيه ويرون نجم الدراما مثلًا أعلى يصور لهم الحقيقة ليثقوا تمام الثقة فيما يقوله وينفذه.

وللأسف الأمر الذي أدى إلى انتشار العديد من الجرائم وإثراء الطابع الثقافي السلبي في الدراما على ثقافتنا ليكون نتاج حرب أفكار من نوع مختلف يستحوذ على عقل المتلقي البسيط، ومشاعره، وأفكاره.

وتتوالى أحداث الدراما الفنية وتتطور بشكل متلاحق جدًّا لتفتح الباب على مصراعيه، في عدة مشاهد ولقطات فنية تعكس انفجارًا في المشاعر، وأبشع صور قتل المعاني الجميلة في حياتنا مثل مسلسل الأسطورة 2016.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد