ذكرتني تغريدة للشاعر السوداني «معتصم الأهمش» بمقال للدكتور بشرى الفاضل عن الحالة الدولفينية، وهي حالة نرجسية تنتاب بعض المبدعين.

كتب الأهمش على حائطه في فيس بوك: «أنا أشعر شعراء السودان بهذه الفترة وما يليها إلى قيام الساعة، شاء من شاء وأبى من أبى»… واستطرد نزولًا بعض الشيء، حين أضاف قوله: «… أنا وشاعران، أحدهما محمد عبد البارئ وإدريس، الأشعر بينهم أنا وإدريس، وهذا ما يقوله من يعرف الشعر وجودته»!

الفخر بالتفوق الشعري يكون بالشعر، لا بمنشور مطلعه «أنا» متضخمة، فكثير من الشعراء فخروا بشعريتهم أبرزهم أبو الطيب المتنبي وأبو العلاء المعري والجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة وغيرهم. وقد وجدت أن تغريدة الأهمش تستحق بحثًا عن شعره في هذا الغرض الذي نثره بدولفينية تدفع حقًا للبحث، فوجدت له هذين البيتين:

لَمْ تقرئي في عُيُونِي أَحْرُفَ الشُعَرَا .. لَهُم قَصِيدٌ وبي صمتُ الوجودِ سرى
مذ كنتُ فوق بروجِ الحرفِ تخرجني .. غمامةٌ من شفاهِ المُنتهى سُورا

حقًا صدق من قال: «تمخض الجبل فولد فأرًا»، فمن يقف على ركاكة البيتين يستغرب من تغريدة الأنا التي تشير إلى نفسها بتوهم عريض.

لا يناسب غرض فخر الشاعر أن يذكر الشعراء من غير تعريض بهم أو في سياق مقارب لشعر «النقائض» الأموي الشهير.

«لم تقرئي في عيوني أحرف الشعرا»، في هذا الصدر يظل المغزى في بطن الأهمش، مغزى تقديم ذكر الشعراء على الذات الشاعرة المفتخرة، وحتى المعنى نفسه باهت، «لم تقرأي – لا كما كتبها بدون ألف – في عيوني شعر الشعراء»، المعنى الذي خاب في صياغته هو أن شعره لا يشبه أشعار بقية الشعراء، ومن تخونه العبارة ليس بشاعر إنما هو ناظم على بحر شعري.

ثم قال في مطلع العجز «لهم قصيد»، وهذا من جنس الزيادة الممجوجة وتفسير الواضح، فكونهم شعراء يدل بالتالي على أن «لهم قصيد»؛ «وبي صمت الوجود سرى»: من الغرابة أن يكون الفخر بالشعر عن طريق الصمت الذي يسري به الوجود، بجانب شعراء لم يصمتوا ولهم قصيد.

وفي بيته الثاني «مذ كنت فوق بروج الحرف»، استخدام الأهمش للفعل الماضي «كنت» نسف غرضه من أساسه، وهو الشاعر الذي لن يتكرر حتى قيام الساعة كما قال، فالأنسب هو الفعلية المضارعة لا الماضية، أما صورة بروج الحرف فمستهلكة حد الاهتراء وثيمتها مكررة لا جديد فيها.

«تخرجني غمامة من شفاه المنتهى سورا»، هنا أنقذ غرضه بعض الشيء بعجز البيت، ففيه وهج في الصورة وإن لم يكن بالتفوق الذي ادعاه.

وأعرض فخر الشاعر محمد عبد البارئ، الذي أزاحه الأهمش من دائرة الشعراء الثلاثة، باعتبار أنه هو وإدريس هما الأشعر، ناسبًا هذا القول لمن يعرفون الشعر وجودته. يقول عبد البارئ في قصيدته «تناص مع سماء سابعة» من ديوانه الثاني «كأنكِ لم» مفتخرًا بشعره:

عبرتُ من المجاز إلى المجازِ .. وقد طيّرتُ أيامي كلاما
وَهبتُ النوتةَ الأولى نشازي .. فصفّقَت المقاماتُ احتراما

ولا تعليق طبعًا، فالمتشاعر بجانب الشاعر المطبوع يكفيه عرض إنتاجهما جنبًا إلى جنب فقط!.. ولعبد البارئ كلام جميل في حوار معه بصحيفة الجزيرة، في سؤال عن كلمة يحب أن يوجهها لمن يقفون على عتبات الحرف، ويودون اقتراف الكتابة، فأجاب: «رغم كل ما كُتب، لا تزال الورقة بيضاء» وكان هو الأولى بأن يضع الأنا في محل الإجابة!

رحم الله القيصر العموش وهو شاعر أردني لكز الشعراء بأبيات نزعتها من نرجسيته المستندة على باع واقتدار، فأجابني بقوله:

مِنْ آخرِ اللا شيء جئتُ سحابةً .. لأعيدَ نبضَ الماءِ للأشياءِ
لنْ يعبرَ الشعراءُ جسرَ قصيدةٍ .. إلا وفوق جباههم إمضائي

في منشور آخر كتب الأهمش بصفحته الآية الكريمة، هكذا: «ولا تحسبن الله غافلًا عما يعملون الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار»، والصحيح «يعمل» وهي حالة كتابة لآية قرآنية بلغة «أكلوني البراغيث» تستحق أن تسجل كحالة لن تتكرر إلى قيام الساعة. «ألفين ورحمات على الشعر!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد