“كلوا من طيّبات ما رزقناكم”..

تستقبلك هذه الآية الكريمة حينما تشرع في الاقتراب من محالِّ المأكولات بخَطٍّ عريضٍ وواضحٍ. تكاد تبرز تلك الآيةُ أكثر من اسم العربة أو المحلّ الذي تقصده في بعض الأحيان.

تشعُرُ بالطمأنينة حين تشرع في تناول الطعام في هذا المكان الذي يذكرك بهذه السنّة الإلهية. تشعر كأنّك، وكإنسان متديّن، مسؤول تمام المسؤولية عن تشجيع مثل تلك الأماكن التي “تزيّنها” الآيات الكريمة إلا أنّك، عزيزي “المتديّن”، لا تنتبه كثيرًا إلى ما يحدث في لاوعيك، وهذه طبيعة المخّ البشري، من ربط بين هذه الآية وبين محال الأكل التي تتزين يافطاتها بها.

الآن وبعد فترةٍ كافية كلما قُرِأ قولُهُ – تعالى – المذكورُ آنفًا يومضُ عقلك في التوّ واللحظةِ بصورة المطعم الذي لطالما اعتدتَ أن تأكلَ فيه. يماثل هذا تمامًا استخدام قوله – تعالى “وسقاهم ربّهم شرابًا طهورًا” والتي تجدها على محال العصائر وغيرها الكثير.

هذه الصورة من التدين تجعلنا نرى تاجرًا يضع المصحف على مكتبه وهو يجري المكالمات ويعقد الصفقات الواحدة تلو الأخرى لينشر بضاعته المحرّمة، أو على أقل تقدير، يحتكر بضاعةً أو يسوقه الجشع أو مسؤولًا فاسدًا وعلى فساده مشهورٌ بأعمالِ البرِّ، ودعاةً مشهورين وحَمَلَةً لكتاب الله وعلومه يبررون للظلم ويرسّخون وجودَه.

ليس الأمرُ، إذن، مقتصرًا على التجّارِ كما رأينا بل هو مُتعدٍّ إلى أغلبِ السياسيّين الذين لا يتردَّدُونَ في اسْتِخْدَامِ تلك الآياتِ كديكورٍ يمكّنُهُم، في كثيرٍ من الأحيان، من وضع السُّمِّ بداخله ليتجرعه المتلقّون وعلى وجوههم بسمةٌ صادقةٌ وقلوبهم مطمأنّة يملؤها الرضا. وهذا، بالطبع، إذا ما افترضنا نزاهة العملية الانتخابية.

في مجتمعاتٍ يتمّ تفريغها باستمرارٍ من القيم والمبادئ والأخلاق والإيجابيّة ينتشر فيها ذلك النوع من التديّن كرد فعلٍ لا شعوري جمعيّ يسعى إلى تعويض نقص العمل بتلك المبادئ بنشرها على الحوائط وتزيين الواجهات بها أو على السيارات (على طريقة المريض القصير الذي يعالجه الطبيب النفسي ليخرجه من عقد نقصه بإخباره بتكرار جملة: أنا مش قصير وقزعة أنا طويل وأهبل).

ومن صور هذا الشعور اللاواعي بالنقص، اندفاع الناس لنقد المظاهر المضادّة لتديّنهم والتي يسهل نقدها والاستغراق في ذلك النقد بل وممارسة العنف والدخول في حالاتٍ من الإفراط في ممارسة العنف اللفظي أو البدني دفاعًا عن “الدّين”، وعن “قيم المجتمع” أو التصدّي إلى توافه المخالفات وتضخيمها ليصل الفرد أو الجماعة التي قامت بمثل هذا التهويل إلى حالة من الرضا عن النفس بإظهار تفوقها الأخلاقي أو يتحول التديّن إلى وسيلة للجذب والتباهي والوجاهة الاجتماعية في تحوُّلٍ حادٍّ عن الوجهة المنشودة من التديّن.

أذكر أنّ المفكّرَ الأمريكيّ جاك فريسكو قال في أحدِ المرّاتِ إنّه “في اللحظة التي تتردد فيها على مسامِعِكَ كلمتيِ “الحريّة” و”الديموقراطيّة” كثيرًا فاحذرْ، لأنه في الدولةِ الحرّةِ حقًّا لا داعٍ لأن يذكّركَ أحَدُهُم أنّك حرٌّ” وعلى هذا نقيس الأمرَ بالنسبةِ إلى التديّن. ففي مجتمعاتنا تتردد على أسماعنا كثيرًا كلمات “الدين”، “الشريعة”، “الانضباط”، “الأخلاق”، “الشرف”، “النزاهة”، “الصدق”، “الأمانة”… إلخ، ولكن إذا كنّا نعملُ وفقًا لتلكَ المبادئِ والأخلاقيّاتِ فما احتياجنا إذن إلى أن تلوكَهَا ألسنَتُنا بهذه الكثرة؟

الأمر يكْمُنُ في أنَّ هناك خطًّا رفيعًا غايةً في الدقّة يفصلُ بين إظهار التديُّنِ من بابِ تذكير الآخرين بما يجبُ فعلهُ على الدوام، وبينَ أن يكون إظهاره في إطار التفاخر والسعي وراء الوجاهة الاجتماعيّة والشهرة. ولكن هل يمكننا أن نمتلكَ آليّةً أو منهجيّةً للتفريق بين التديّن الحقيقي والشكليّ؟

الإجابةُ، حينئذٍ، تكمُنُ في قوله – تعالى “ومنْ أحْسَنُ قولًا ممّن دعا إلى اللهِ وعملَ صَالحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ”، فالتديّن الحقيقيّ هو ما يتجلّى في الممارسات والفعلِ أكثر من القولِ ولذا أحسبُ أنّ الله قد جعل “وقال إنّني من المسلمين” بعد “وَعَمِلَ صَالِحًا”.

من تجليّات هذا الباب (أي التديّن الظاهري/ الشكلي/ الصوري)، بعض دعاة السلفيّةِ، المعاصرةِ تحديدًا لا السلفيةِ كمفهومٍ واسعٍ والتي لسنا بصدد نقدها في مقالنا هذا، والذين يركّزون أكثر وأكثر على الاهتمام بمشاكلٍ/ أُمُورٍ هي أبعدُ ما تكون عن كونها مركزيةٍ. وليس الأمر هكذا فحسب، بل إنّه يتخطّى إلى تصدير تلك القضايا والمشاكل الفرعية، إن كانت أصلًا مشاكل في حقيقتها، لتصبح هي “المشاكل” بألف ولام التعريف كأمور الالتزام بسنّة المظهر من تقصير الجلباب، أو استخدام السواك، وإعفاء اللحية، أو في موضوعٍ أكثر تعقيدًا كموضوع تناول الصفات الإلهية والتشددّ فيها وجعلها من القضايا المركزية التي تُدخِلُكَ في، أو تُقصيك من،  دائرة متّبعي السلفِ الكرام.

والدولةُ المستبِدّةُ تجدُ في التديّنِ الصوريِّ بُغْيَتَها، فإزكائه يُعَدُّ وسيلةً سهلةً لتحريكِ الجموعِ وكسبِ وُدِّهم فهو من جهةٍ، يضع الدولةَ في صورة حامي حمى الدين بالنسبة إلى جمهور المتدينين الصوريين وذلك بالتصدّي إلى قضايا الملحدين أو الشواذ وغيرهم، ومن جهةٍ أخرى، وهي الأهم بالنسبة لدولة الاستبداد، إشغال الناس بتلك القضايا الفرعية، والتي يظنونها مركزية، عن مسألة “القسط” وهو مقصد المقاصد في الشريعة لقوله – تعالى: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ”.

قد تكون ظاهرة “إسلام السوق”، والتي تحدّث عنها المفكر باتريك هاييني في كتابهِ، هي إحدى تجليّات هذا التديّن الظاهري والتي تعمل الدولة على الحرص على استمرار وجودها. فهاته الظاهرة فردية (بمعنى أنّها تهتم بالفرد أساسًا لا بالمجموع) وهي، وبشكلٍ مخلّ، تحول جمهور المتدينين والأشدّ تدينًا على أقصى تقدير إلى ما يشبه التيار المحافظ في العلمانيّة الأمريكية ومن هذه الظواهر بعض المحال التي تمتلك أسماءً ذات معنى دينيّ أو حتى بعض المطربين ذوي الطابع الإسلاميّ أو الدعاة الذين يركّز خطابهم على القيم الفردية في تطابق شبه تام مع أساليب التنمية البشرية الغربية.

ودولة الاستبداد تحافظ على تلك الظاهرة لملء فراغ رعاياها كمطلب يتم توفيره طالما، بالطبع، لم يتعدّ إلى العمل الجماعي لأنّ تحريك الجموع، بالنسبة إلى الدولة كدولة، هو حقٌّ حصريٌّ لها كوسيلة للسيطرة عليهم.

يقولُ الإمامُ مُحمَّد الغَزَالي، رحمهُ اللهُ: “التديُّنُ المغشوشُ قد يكون أنكى بالأُمَمِ من الإلحادِ الصارِخِ“. ويقول العمّ جلال عامر، رحمه الله، بسخريته المعتادة: “في ظلِّ التديُّنِ الشكليِّ الذي نعيش فيه، أصبح لا أحدَ يخاف من النارِ إلّا من يعملُ بالمطافئِ“.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد