بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، أما بعد، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، واقتراب الإعلان عن صفقة القرن، كان لا بد من قراءة هذه التطورات بعقلٍ وفهمٍ رصين، وبتتبع طريقة اليهود في فلسطين، وكيفية تدبيرهم للتوسع واستغلالهم النصوص الشرعية التي لفقوها مسبقًا؛ لإعطاء أفعالهم الصفة الشرعية، وتخدير الشعوب للتسليم بالواقع.

وفي بني إسرائيل قال تعالى: «وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا» (الإسراء:4)، فهذا وعد الله، إذ لا بد من علوهم في الأرض، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن كيف سيستغل اليهود هذه النصوص لتحقيق علوهم؟ وفي المقابل كيف سيُشرِّعون ما يمنع الأمة من الصحوة والتحرير؟

في تتبع سيرة اليهود التاريخية، نجد أنهم يقرأون كتبنا، ويتعلمون القرآن والسنة؛ ليحسنوا التدبير والتخطيط، ومما لا شك فيه عبر العصور وجود المئات من المرويات التي نُسبت إلى النبي – عليه الصلاة والسلام- وتبين أنها إسرائيليات من وضعهم، وهذا يعزز ما ذهبنا إليه باهتمامهم في تعلم ديننا وتشريعنا للتخطيط وفق ما يناسب توجهاتهم.

كيف استغلوا النصوص لتحقيق علوهم في الأرض؟

ذلك وبعد ضعف الأمة، وهوانها، وانقسامها إلى دويلات، ودخول اليهود إلى أرض فلسطين واحتلالها، استغل اليهود تلك النصوص ببث رسالة لأقطار الأمة الإسلامية مفادها آن الأوان للعلو الثاني، وقد ساندهم في ذلك شيوخ المسلمين، سواء بقصد مدفوع الأجر مسبقًا، أو بغير قصد، فكان نتاجه التسليم بأنه لا بد من توسعهم وعلوهم حتى يتحقق وعد الله! ومن هنا بدأ قيام مخطط دولة إسرائيل بجزء من فلسطين؛ حتى تمدد وكاد أن يُحكم السيطرة عليها كاملةً، وبالطبع لن يُحرك أحدٌ ساكنًا، وذلك بسبب التوجيه الديني المدروس مسبقًا «دعوهم فاقترب وعد الله أن يتحقق!» وهل يتحقق النصر في أمة كغثاء السيل؟!

كيف شرعوا ما يمنع الأمة من الجهاد؟

عندما كانوا متيقنين من استحالة العبث والتغيير في القرآن؛ لجأوا إلى الوضع في الحديث تمهيدًا لإيجاد موضع قدم، ومن هذه الأحاديث ما صدحت به منابرنا لعشرات السنين نعرضها بالترتيب التالي:

1- فيما نُسب إلى النبي – عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئًا لا أحفظه فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي – وفي رواية- إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان فأتوها ولو حبوًا… إلخ».

أخرجه الحاكم في المستدرك (ج4/ ص510/ ح 8432)، وابن ماجه في السنن (ج2/ ص 1367/ ح 4084) وأحمد في المسند (ج37/ص70/ 22387ح).

فهذه الخطوة الأولى في التثبيط عن الصحوة والجهاد، واستُخدِمَ للحثِّ على الانتظار إلى أن يأتي المهدي المزعوم ومعه الرايات السود ليكون به النصر، ما قيل في هذا الحديث:

· ابن الجوزي: حديث موضوع. (الموضوعات/ ج2/ ص39)

· المباركفوري: حديث ضعيف. (تحفة الأحوذي/ ج6/ ص451)

· ابن حجر: ضعيف. (القول المسدد في الذب عن المسند/ ص42)

· الألباني: حديث منكر. (السلسة الضعيفة/ ج1/ ص195/ ح85)

2- فيما نُسب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «لتقاتلن المشركين حتى تقاتل بقيتكم الدجال، على نهر بالأردن، أنتم شرقيه، وهم غربيه، وما أدري أين الأردن يومئذ من الأرض».

أخرجه البزار في كشف الأستار (ج4/ ص138/ ح3387)، وتاريخ ابن أبي خثيمة (ج1/ ص578/ ح2400) والآحاد لابن أبي عاصم (ج4/ ص409/ ح 2458).

وبالاستناد إلى المهدي المزعوم في الحديث الأول، واقترانه بالدجال في الحديث الثاني، وارتباطه بشرقي النهر وغربيه، فهذا يدل دلالة واضحة أن المقصود بغربي النهر فلسطين، وبالتالي يدل على قتال اليهود، واستخدم اليهود هذا الحديث الذي دسوه للإشارة إلى التسليم، وتقبل وجودهم وسيطرتهم على غربي النهر إلى أن يأتي المهدي، الذي لن يأتي حقيقةً، ومما يؤكد ما ذهبت إليه الحاصل في عام 1967م،إذ عمل اليهود على نشر هذا الحديث بهذا الاستدلال لحث الفلسطينيين على الخروج منها، وتسليمها على طبقٍ من ذهب تحت سلطة الحديث.

ما قيل في هذا الحديث:

في سنده محمد بن أبان القرشي:

· قال الذهبي: «ضعفه أبو داود يحيى بن معين، وقال البخاري ليس بالقوي، وقيل كان مرجئًا». (ميزان الاعتدال/ ج3/ ص453)

· قال النسائي: ضعيف. (الضعفاء والمتروكون/ 90)

· الألباني: ضعيف. (السلسة الضعيفة/ ج3/ ص460/ ح 1297)

وبعد هذا البيان والعرض والتطورات الحاصلة في الشرق الأوسط، وفي ظل ترقب الإعلان عن صفقة القرن، فإن جميع المؤشرات تدل على حتمية مرور هذه الصفقة، ولو كلف ذلك نشوب حرب عالمية ثالثة، العرب هم الطرف الخاسر فيها، وبعد الإعلان عن الصفقة سيخرج إلينا الأئمة على المنابر مباركين فيها عن جهل، من خلال الاستدلال بالأحاديث المكذوبة السابقة، والحث على الانتظار حتى يأتي أمر الله، وما يعلموا بأن أمر الله حاصل بقوله: «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ» (محمد: 7) وليس بتعليق الآمال والأحلام على الأوهام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد