أعتقد أننا لسنا بحاجة لتقرير أهمية الحاضنة الشعبية لأي فصيل سياسي أو دعوي أو حتى لأي نظام يريد تثبيت أقدامه ونيل رضا محكوميه، فالحاضنة الشعبية هي مصدر قوة حقيقي لا يمكن لأي نظام أو حركة تجاهله مهما بلغ عددها وعدتها، فهي تمثل الشرعية الحقيقة والباقية وإن جرمت من الدنيا قاطبة، وأي تغيير يرجى ولا يراعي أن يتبناه أو بالقليل يحوطه الشعب – أو قطاع شعبي – ويرعاه ويؤيده، ويؤمن له أسباب العيش والاستمرار، ويوفر له الحضن الدافئ والظهر الحامي فهو تغيير “ساكن”، حكم عليه ناشدوه بالفشل وإن نجح بشكل وقتي.

وإذا كانت حاجة الدول العظمى – ذات القوة العسكرية والاقتصادية – إلى حاضنة شعبية أو قل تحييد الشعوب التي أرادوا احتلالها – بتسويق ذاك الاحتلال على أنه استعمار، وبسرد دوافع له تبدو منطقية؛ فإن حاجة ما دونها من القوى والحركات السياسية والمجتمعية والدعوية أشد لشعوبها.

والمراقب للأنظمة المصرية المتعاقبة ورغم تفاوت ظلمها وقمعها وتسلطها؛ فإنها كانت تدرك جيدا أهمية هذه الحاضنة، ولم تكن لتتخلى عنها بحال، فلم تخل خطاباتهم من التزلف والتملق لنيل رضا الشعب حينا والتدليس عليه أحيانا أخرى، هذا مع استخدامه لقمع المعارض منهم، ودفع آلة فساده وظلمه تطال من قدر له أن يكون ضحية الإهمال والفساد؛ لكنه كان حريصا على إبقاء السواد الأعظم من الشعب بعيدا عن دائرة الصراع هذه، ومن لم يؤيده فليحيده.

 

وأقرب نموذج ماثل أمامنا، هو انقلاب 3/7/2013 فما كان له أن يكون بدون ستارة 30/6، وقد جرى حشد واستفزاز هذه الجماهير لذاك الوقت المشؤوم؛ هذا برغم أن عسكر مصر يملك من أسباب القوة والبطش إضافة إلى الكثير من “الرز”!

 

ومن هنا يتضح دور الحاضنة الشعبية كمحور وركيزة لأي عملية تغيير منشودة. العسكر والحاضنة الشعبية، كيف ضمهم لصفه وكيف فرقهم؟!

ولما اندلعت ثورة يناير 2011 وبينما كان الثوار بميادين مصر، كانت الحاضنة الشعبية تتمثل في الحماية واللجان الشعبية – ولا أتحدث هنا عن الثورة وكيف تلقفها عسكر كامب ديفيد فتظاهر بالرضوخ لها وحيّا شهداءها، حتى تمكن من الثوار وضربهم ببعضهم – ونتيجة للأحداث الثورية المتعاقبة والإضرابات الفئوية حينها، لعب النظام على هذا الوتر فوظفها لفض هذه الحاضنة وتنفيرها من الثورة والثوار وما جلبته عليهم من تعطيل العمل وركود الاقتصاد، حتى اجتذب كتلة كبيرة منها لصفه واستطاع استفزازها وحشدها – بأكاذيبه وأزماته المفتعلة من جهة وعدم إدراك الثوار من جهة أخرى – لليوم المشؤوم، فكانت العصا التي اتكأ عليها ليؤدب بها مهددي مصالحه قبل أن يكونوا خصومه الفكريين.

 

الثوار يكتفون بالمشاهدة!

لم يتورع نظام يوليو – كعادته – عن وقف كل نشاط خيري ومجتمعي بدعاوٍ مريضة ك”الإرهاب”، حيث أصدر قرارا غريبا بتجميد نحو 1055 نشاطًا خيريًا، هذا إلى جانب إطلاق أيادي الأجهزة الأمنية تضيق وتراقب وتمنع ما لا يحلو لها، فكف بذلك أيادي الحركات الدعوية والمجتمعية عن خدمة الناس وتوعيتهم، كما حرم المجتمع من جهود المخلصين، وهو لا يدري – أو لربما يدري ويستمر في غبائه المعهود – أن هذه الحركات الدعوية والمجتمعية تخفف عنه أعباء لا طاقه له بها، وأنه بفعله هذا يوجه الأنظار إليه وحده ويتحمل المسؤولية وحده.

ويمكن تلخيص الأسباب التي دفعت الناس أن ينفضوا عن نظام يوليو على النحو التالي:

• تبرير أي فشل وصد أي تقويم تحت دعاوي “محاربة الإرهاب”.

• وعود براقة ومشاريع وهمية.

• فشل حقيقي على كافة الأصعدة خاصة على المستوي الاقتصادي.

وان لم يستطيعوا أن يعلنوا هذا صراحة وينضموا لصفوف الثوار، بعضهم لكبر في نفسه وبعضهم لخوف ملأ قلبه؛ فانفض عن النظام الكثير من جماهير 30 يونيو بل الكثير من العامة وحزب “الكنبة”؛ المهم هنا أنهم انفضوا بغباء النظام لا بجهود الثوار.

الفراغ الحادث واتجاه ال one way

وواضح لكل عيان أن فراغا كبيرا قد نشأ في المجتمع، على إثر عزوف جل الحركات السياسية والمجتمعية عن دورها في العمل مع المجتمع، إما لانشغال بالنضال الثوري، وإما بالتخلي عن دوره كليا؛ ومن الإنصاف أن نقول أن المساحة الأكبر في الفراغ الحادث؛ ناتج عن إزاحة جماعة الإخوان المسلمين بأذرعها المجتمعية وأنشطتها الدعوية من المشهد؛ نتيجة للقمع الأمني المفرط من جهة، وانشغال الجماعة بتضميد جراحها وترتيب الصفوف المنهكة من جهة أخرى.

أضف إلى هذا المضي في معركة “إسقاط الانقلاب”، وتسخير كل طاقاتها لهذا الدور – المشرف قطعا – بعيدا عن المجتمع الذي تخوض المعركة باسمه أساسا!

 
في شبه إعلان عن سلوك اتجاه الOne Way، وهذا يعد انتحارا سياسيًا ومجتمعيًا، وتبديدًا لجهود عظيمة بذلت على مدار عقود طويلة لأجيال متعاقبة، كان العمل الدعوي والمجتمعي في أغلب هذه العقود هو وجهتها الأولى وربما الوحيدة، وكان هذا عقب انتهاء المؤتمر السادس للإخوان المسلمين والذي عقد عام 1941م، وكان من بين قرارته السماح للإخوان بدخول الانتخابات بصفة فردية، في حين أنشئت الجماعة عام 1928 م. لا أدري!

وعلى من يوجهون دفة الأمور في هذه الحركات، أن يعوا خطورة الانعزال، وعظم الحاجة للحاضنة الشعبية كداعم رئيسي لإسقاط الأنظمة المجرمة؛ كما هو حاجة المجتمع لهذه الجهود العظيمة تماما بتمام.

أقول هذا وأنا على دراية تامة بفداحة وحجم القمع الأمني الذي تخطى مرحلة “مخبر وملف لكل مواطن” إلى الخطف والتصفية المباشرة؛ ولا أدري حقيقة إن كان الحل في إطلاق أنشطة مجتمعية وفقط، تسد الفراغ الحادث، لتكون هذه مهمتها الأولى والوحيدة؛ حتى تؤدي دورها المجتمعي وتكون في مأمن عن بطش النظام، ولا أزعم أنه حل إبداعي كما لا أزعم أنه الحل الوحيد؛ ما يهمني هنا أن ألفت الأنظار لمشكلة الانعزال وأن أنبه لفداحة الانصراف عن العمل المجتمعي تحت أي ضغط، وفقط عندما نقر بالمشكلة يمكننا حينها البحث عن أنسب الحلول، وإذا صح منك العزم هُديت إلى الحيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد