لمَّا خطب زياد بن أبيه خطبته الشهيرة، قال له عبد الله بن الأهتم: أيها الأمير! أشهد أنك أوتيتَ الحكمة وفصل الخطاب؛ فقال زياد: كذبت! ذاك والله نبي الله داود؛ فألقمه الحجر.

للمنصب وللقب بريق يزغلل العيون، ويغري بالتودد لأصحاب الحل والعقد والتطبيل لهم، وثمرات إتقان التملق تشعل نار المنافسة بين مريدي الوصول السريع، ونرى مثالًا يتكرر كثيرًا، ونستشعر تأثير المناصب والنفوذ والألقاب على أصحاب القلوب الضعيفة. نعيش في زمن ألقاب فشنك، يروق التملق كثيرين لاستمالة أصحاب النفوذ وشراء مودتهم، وقد يرفع صاحب المنصب إلى ما فوق صفات البشر، وهناك من يشتط في خلع صفات إلهية على بعض الملوك والرؤساء والوجهاء! الأمثلة على تملق الحاكم وصاحب النفوذ ليست حكرًا على إقليم، بل هي حمى تنتشر في العالم، ولها من المزايا ما يغري، وآثرتُ أن نحلِّق في رحاب عدد من تلك المبالغات، وكيف تعامل معها بعض العقلاء.

ألقابٌ مملكةٍ في غيرِ موضعِها … كالهرِّ يحكي انتفاخًا صولةَ الأسدِ

أولًا: في العصر العباسي

في العراق، لعبت نشوة الحكم والسلطة برأس جلال الدولة كبير بني بويه، وأراد أن يُلقِّب نفسه شاهنشاه الأعظم، أي ملك الملوك، وكان يملك السيطرة الفعلية في دولة العباسيين، بينما اكتفى العباسيون بالملك دون الحكم؛ فكان الاعتراف بهذا اللقب يكتسب شرعيته إن وافق عليه الخليفة.

لم يكن الفقهاء أفضل حالًا مما رأيناهم عليه اليوم؛ فلما طلب الخليفة رأيهم في لقب جلال الدولة الجديد لم يتمعر وجه أحدهم، بل وافقوا دون تردد أو تريث، لكن رجلًا واحدًا وقف في وجه الجميع، وقال: اتقوا الله أيها الفقهاء! لا تبيعوا دينكم على الشاشات وفي الصحف والمنتديات، كان رجلًا مختلفًا عنهم، كان رجلًا يدرك أن الدين أسمى من أن يداهن أو يتزلف.

هذا الرجل الفقيه نشأ لأسرة اشتهرت في البصرة بصناعة وبيع ماء الورد، ومنها اكتسب اسمه الأشهر الذي لازمه ليومنا هذا؛ إنه أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي. كان قريبًا من الخليفة ومن بني بويه، ومع ذلك لم يقبل أن يتسمى جلال الدولة بهذا اللقب، وثاب جلال الدولة إلى رشده بعد شهرين من الغيظ والحنق، وأدرك أن هذا اللقب لله وحده دون خلقه.

أدرك جلال الدولة الخطر الذي كان على وشك الوقوع فيه، وأرسل للماوردي يسترضيه وقال له: قد علم كل أحد أنك أكثر الفقهاء مالًا وجاهًا وقربًا منا، ولم تفعل ذلك إلا لعدم المحاباة منك واتباع الحق، وقد بان لي موضعك من الدين ومكانك من العلم.

ثانيًا: في العصر الفاطمي

وفي مصر، قال الله تعالى حكايةً عن فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)، ولولا فسقهم لما صدقوا دعواه ولانتفع بمراجعتهم له وثاب إلى رشده، لكن صمتهم عنه وتطامنهم له زاده في الغي والباطل حتى قال: أنا ربكم الأعلى؛ فكان هلاكه وهلاكهم معه جزاء تزيينهم باطله وتجميلهم قبحه، حتى أدركه الفوت، وعاين (آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى)، لكنه آمن بعد فوات الأوان؛ فذاق الهوان.

لكننا الآن بعد فرعون بقرون، وبعد مكابدة دخول الفاطميين مصر 58 عامًا دون طائل، لكن سنحت الفرصة بعد وفاة كافور الإخشيدي 968، وتردي الأوضاع الاقتصادية في مصر؛ فدخلها القائد الفاطمي جوهر بن عبد الله الرومي الصقلي قادمًا من غرب أفريقيا (تونس) منتصف سنة 969، وبنى المسجد الجامع (الأزهر الشريف) بأمر من القائد المعز لدين الله الفاطمي. وبعد عامين فقط من دخول مصر، عزل المعز قائده المقرَّب جوهر الصقلي؛ ليخرج الصقلي من دائرة النفوذ والضوء حتى وفاته بعد ذلك بـ20 سنة.

قيل إن المعز لدين الله فسد حاله في آخر أمره وادعى الألوهية، وجمع الناس إلى الإيمان به وبذل لهم نفائس المال والهدايا، وتابعه في غيه بطانة سوءٍ كانت تزين له سوء عمله، ومن هؤلاء الشاعر محمد بن هانئ الأندلسي، والذي قال فيه قصيدة طويلة منها:

ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ ** فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ
وكأنّما أنتَ النبيُّ محمّدٌ ** وكأنّما أنصاركَ الانصارُ
أنتَ الذي كانتْ تُبشِّرنَا بهِ ** في كُتْبِها الأحبارُ والأخبارُ
هذا إِمَامُ المتَّقينَ ومنْ بهِ ** قد دُوِّخَ الطُّغيانُ والكُفّارُ
هذا الذي تُرْجَى النَّجَاة ُ بِحُبِّهِ ** وبِهِ يُحَطُّ الإصْرُ والأوزارُ
هذا الذي تُجدي شفاعَتُهُ غدًا ** وتفجَّرَتْ وتدفّقَتْ أنهار

وفي فصل الصيف، يتكاثر الذباب على المعز والخدم يدفعون الذباب ولا يندفع. رأى هذا المشهدَ شيخٌ ألمعي؛ فقرأ بصوت مسموع قول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ )؛ فاضطرب الناس لعظم مطابقة الآية لحال هذا الدعي، حتى كأن الله أنزل الآية في هذه اللحظة تكذيبًا للطاغية. وقد لقي ابن هانئ الأندلسي جزاءه؛ فقتل في الطريق ولم يُكتب له دخول مصر، ولما بلغ المعز خبر قتله قال: هذا الرجل كنا نرجو به أن نفاخر شعراء المشرق فلم يقدر لنا.

ثالثًا: في العصر الحديث

من اليمن ننقل هذه القصة الطريفة، ونتساءل: هل الألقاب مكرمة تتطلب أن يدافع المرء عنها؟ ولماذا يسيطر جوع الألقاب على البعض؟ وأرى أن الإنسان السوي يضفي على اللقب وجاهة، في حين أن اللقب لا يضيف للشخص الواثق في نفسه المتمكن من أدواته شيئًا، ومع ذلك فالمظاهر تخدع الناس؛ فيلهثون وراء الألقاب وإن كانت رخيصة! نعود إلى قصة اليمن، والواردة في كتاب قصص وحكايات من اليمن، وفيها أن رجلًا من أهل صنعاء كان يناديه الناس علي أفندي، إلا أن أحدهم كان يناديه يا حاج علي، وكان علي أفندي يضيق بنداء هذا له، ويريده أن يناديه كما تفعل الغالبية الكاثرة من الناس؛ فيقول مثلهم: علي أفندي.

في بعض الأيام، وبعد أن نادى الرجل على صاحبنا قائلًا: يا حاج علي، قال له علي أفندي مغتاظًا: اسمع يا أخي! عندما كنت صغيرًا كان الناس ينادونني (علي)، وعندما كبرت وذهبت إلى الحج نادوني (حاج علي)، ولما ذهبت عند الخليفة العثماني في اسطنبول، أصبح لقبي (علي أفندي)؛ فلا تدعوني إلا يا علي أفندي؛ أفهمت؟! فقال الرجل: والله قصتك غريبة قوي يا حاج علي!

ومن بولندا، وفي كتابه الإمبرياليين الصادر عام 1993، يقول أشهر صحافيي العالم في القرن العشرين، الصحافي البولندي ريتشارد كابوشنسكي (1933 – 2007): سألتني المعلمة، ما هو الحرف الأول في الأبجدية؟ فقلت: الألف؛ فضحك جميع رفاقي الصغار مني، وكنت أحدثهم التحاقًا بتلك المدرسة، وقد تكرر على مسامعهم هذا السؤال حتى ألِفوا جوابه. صححت لي المعلمة فقالت: إنه حرف السين! الأول في اسم الرفيق ستالين، أما عن ترتيب الأحرف الأخرى فليس مهمًّا!

وعودة إلى أم الدنيا، ذكر إبراهيم عبد القادر المازني (1889 – 1949) في كتابه قصة حياة أن ناظر المدرسة الابتدائية كان تركيًا جاهلًا، وكان يفتخر بذلك، ويقول للطلاب: أنا جاهل جاهل لكن أدرجي! (أدرجي كلمة مصرية من الإدارة؛ أي أنه على جهله يحسن فنون الإدارة). وفي العام الذي دخل فيه المازني تلك المدرسة، أُنْعِمَ على الناظر برتبة بك من الدرجة الثالثة، ومع أنها لا تخوِّل له لقب البك، لكنه فرح بها وانتحل اللقب، وصار يغضب إذا لم يطلقه عليه مخاطبه! وقد جمعوا طلاب المدرسة، وأخبروهم بخبر الإنعام على الناظر بلقب سعادة البك، وهتفوا وردد التلاميذ من بعدهم أفندي مزشوك يشا، وهي عبارة تركية يقصد بها (يعيش أفندينا طويلًا).

يقول المازني: وأدركت أن سعادة البك مفتاح كلّ باب مغلق، فلا يكاد يسمعني أقول له يا سعادة البك، حتى يهش لي ويهز رأسه راضيًا، ويعفو عن ذنبي أو يجيبني إلى ما أطلب.

ذكر الشيخ أحمد حسن الباقوري (1907 – 1985) في كتابه (بقايا ذكريات) أنه زار دمشق إبان الوحدة بين مصر وسوريا، والتي أعلنت يوم 28 فبراير (شباط) 1958، وأراد أحد الأعيان الاحتفاء بما فعله عبد الناصر؛ فبالغ حد الإسراف ونطق دون تفكر ولا روية: إن عبد الناصر قد جمع كلمة العرب التي لم يستطع أن يجمعها النبي محمد. وصل هذا الرجل لمستوى عالٍ من التملق، ووصف عبد الناصر بالنجاح الذي لم يبلغه الرسول الكريم! وكان لا بد أن يراجع الناس هذا المسكين، وألا يتركوه لجهله وسوء فهمه. فقال الباقوري: إن عبد الناصر لا يقاس بمحمد ولا بأحد من أصحاب محمد، وإنه ليشرِّفُهُ أعظم تشريف أن يكون خادمًا في بيت محمد صلى الله عليه وسلم. الباقوري يومها ليس رجل معارضة، ولا رجل دين يقبع في الظل، إنه وزير الأوقاف في حكومة عبد الناصر، لكنه يعلم يقينًا أن مقام النبوة فوق كل مناصب الدنيا؛ فلم يبع دينه لقاء غض طرفه عن قول متملق أو أحمق.

من الباقوري وأمثاله تتعلم شجاعة الرأي، أن تنطق بالحق وتصدع به دون اكتراث بالتبعات، وأن تضع دينك ومبادئك فوق منصبك، وألا تصانع البطالين والطبالين في سخافاتهم وحماقاتهم، وأن يتمعر وجهك – على أقل تقدير – إن لم تنكر عليهم بلسانك. لم يلتفت الباقوري للمضايقات التي سيتعرض لها من عبد الناصر، ولم يلقِ بالًا بالمنصب ولا المكانة الاجتماعية؛ فإن كل كرسيٍ زائل لا محالة، وسلامة الدين أولى من سلامة البدن والوجاهة الاجتماعية وغيرها.

أما أستاذنا ثروت أباظة (1927 – 2002)، فيحدثنا عن قصة أخرى طريفة في كتابه (ذكريات لا مذكرات)، قصة الأفندي الذي تحوَّل إلى حاج؛ إنه أحمد حسين القرعيش. كانوا ينادونه أحمد أفندي؛ لأنه كان يلبس الحلة والطربوش وهو في طريقه إلى المدرسة الإلزامية التي يدرس بها، ثم حج وعاد من الأراضي الحجازية، وراح أهل القرية ينادونه بأحمد أفندي على عادتهم؛ فصاح فيهم مغضبًا: يا نهار أسود! أكنتُ حججت ودفعت مئة جنيه وزيادة لتقولوا أحمد أفندي؟! من لا يناديني بالحاج أحمد لن أرد عليه. وبهذا يكون الحاج أحمد حسين القرعيش على خلاف علي أفندي اليمني، ولكلٍّ وجهةٌ هو موليها!

كان يحيى البرمكي يقول: من بلغ رتبةً فتاه فيها، أخبر أن محلَّه دونها، وقال له رجلٌ يومًا: والله إنك لأحلم من الأحنف؛ فقال: ما تقرَّبَ إليَّ من أعطاني فوق حقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد