طيلة تاريخ هذه الأمة (عربية أو إسلامية)، لم نتعرّض لحالة ذل وهوان كبيرين، كهذه التي نمرّ بها منذ مطلع القرن المنصرم. لقد شهد تاريخنا سقوط بغداد على أيدي المغول، وخسارة القدس، وحروبًا داخلية وخيمة؛ أفضت لقتل الملايين على مرّ العصور ابتداء من الأمويّ ونهاية بالعباسيّ.

ومع كلّ النكبات والنكسات كان هناك قوة داخلية عميقة، أشبه ما يعرف اليوم بالدولة العقيمة، كانت هذه القوة متأصلة في جذور هذه الأمة، قبل أن يتكالب عليها القاصي والداني ويشلّوا حركتها، ويفقدوا أبناءها الثقة في أنفسهم، وقبل أن يقسّم بلادنا التي كانت في يوم من الأيام أرضًا واحدة، لا تحتاج لفيزا أو جواز سفر.

هذه القوة لم تكن متمثلة في الجانب العسكري، كما ورد إلى عقول بعض قرّاء هذا المقال الآن؛ لا بل كانت قوة «الذات» إضافة إلى قوة العلم والاقتصاد والفن والحضارة والمدنية. وبينما كانت الأندلس محط أنظار العلماء والفنانين، وبينما كانت بغداد وحلب وغيرهما محط أنظار التجار والمتبحرين في العلوم الطبيعية والإنسانية؛ كان هناك قوة ذاتية متأصلة في فطرة الأفراد بوصفهم مواطنين يعيشون على هذه الأراضي الشاسعة.

ولكن ماذا لو ضاعت هذه القوة الذاتية، وصار الفرد والحاكم مرتهنين لقوة خارجية تتحكم في إرداته وخياراته؟ ماذا لو ضاع المفهوم الذي حكاه لنا ابن خلدون عن «القوة» التي تُوجب عليك أن تزرع وتأكل من زرعك، وأن تصنع السلاح وتقاتل بسلاحك، وأن تصنع الدواء وتتطبّب بدوائك؟ ماذا لو ضاع مفهوم «القوة» التي حذر من فقدانها ابن خلدون واصفًا حال الدولة الضعيفة بالمرتهنة للقويّ، فترى أبناء الدولة الضعيفة «مولعين» بتقليد القوي في لغته وملبسه وصرعاته؟ وعلى الهامش أقول ليتهم قلدوا الأقوى في مهارته وذكائه في تصنيع السلاح والدواء والتكنولوجيا، وتركوا صرعاته له، فلدينا صرعات تغنينا عن تقليد الآخرين، الذين يملكون ثقافتهم ويذوبون عنها، بينما نحن نلهث وراء ثقافة لا تتناسب مع فطرتنا ولا مع أرضنا ولا مع مفاهيمنا، وهي وإن لم تكن بحال لا تتوافق فيه مع الكل؛ فإنها على الأقل لا تتوافق مع الأغلب، فلكلّ أبناء أرض ثقافتهم وفطرتهم التي لا تستقيم أسس العيش إلا معها.

وإن كنت استعرضت التاريخ؛ فلا بدّ لي أن أقول إنّ أصدق مثال تاريخيّ مررنا به، ويتناسب مئة بالمئة مع واقعنا الحاليّ، هو المرحلة الأخيرة قبل سقوط الأندلس، ما يعرف بـ«ملوك الطوائف»، لقد كانوا دويلات بعد أن كانوا دولة كبيرة متماسكة عصية على العدو، تتحكم بسياسات العدو بقوتها الذاتية، وتصنع أسدًا أو شبحًا من الرعب في قلب كلّ من يفكر أن يقترب من حماها. ولكن؛ وما أشنع «ولكن»، عندما تمّ تقسيم هذه الدولة الكبيرة إلى دويلات أصبح من السهل القضاء على وجود شيء اسمه الأندلس في ليلة بلا قمر.

عندما تقطعت أوصالها إلى 22 دويلة، كل واحدة منها فرحة بنفسها، وكلّ شبيه بالرجال يقودها يكيد لأخيه ويحاصره ويقاطعه، وعندما تمّ إسكات أي صوت عاقل يخشى من الهلاك المحتم؛ سقطت الأندلس وسقط زمان الوصل في الأندلس.

نفس الصورة الآن، ملوك دويلات لا ترى بالمجهر أمام دولة كان اسمها العباسية، أو الأموية، أو الأندلسية، يظن هؤلاء الملوك أنهم ناجحون وقادرون بيد أنهم أضعف من الضعف ذاته، يظنون أنهم فرحون بحزبهم وقوتهم وتحالفهم بيد أنهم تعساء تلعنهم كل قطرة دم بريء، وكلّ إنسان عانى من جرّاء ألعابهم القذرة التي تشهدها المنطقة.

مرتهنون لحكم القويّ، ولحكم الغريب وسيطرته، وغدًا سوف ينتفض عنهم ذاك الغريب ويرميهم ويبيعهم كبضاعة كاسدة وبزمن بخس أقل كثيرًا من ثمن لوحة «مخلص العالم» لدافنشي.

أنا كالكثيرين، لست راضيًا عن الوضع المأساوي الذي تمرّ فيه بلداننا من شرقها إلى غربها، لا يوجد دولة إلا وترى الحروب تأكلها وتقطع أوصالها، من سوريا إلى ليبيا، مرورًا بالعراق واليمن، والدولة التي لا تشهد الحروب ترى العجز الاقتصاديّ يفتك بها من غير رحمة، وإن لم يكن هناك حرب أو عجز اقتصاديّ، فمستحيل أن تراهم دولًا متعاضدة متكاتفة، بل متفرقة تريد كل واحدة أن تسطو على الأخرى. وبعد كلّ هذا فالخاسر الأكبر هو الشعب، وليس الشعب وحده!

نعم ليس الخاسر هو الشعب وحده، بل الأرض والمستقبل

هذه الصراعات الداخلية التي تشل عصب الأمة، هي التي جعلت ترامب يخرج بتبختر ليعلن لنا أن القدس عاصمة دولة محتلة اسمها «إسرائيل»، هذا الضعف هو الذي يجعل الاحتلال الإسرائيليّ يعثو في فلسطين فسادًا، لماذا؟ لا يوجد رادع، وكما يقول المثل الشعبيّ (يا فرعون من فرعنك؟ فقال: تفرعنت وما حدا ردني)، من هي القوة التي يمكن أن تقف أمام إسرائيل؟ هل هي العراق! هو الآن معطوب بسبب الاحتلال الأمريكي والحرب على داعش، سوريا! لم يعد هناك جيش ولا أرض. من إذن؟ لبنان، الأردن، أم ليبيا أم المغرب العربي؟ مَن؟ مصر! أم السعودية؟ لا تسرح في خيالك واستيقظ من منامك يا أخي، كما قال وسيم يوسف للمتصل الذي سأله عن تحريك الجيوش تجاه إسرائيل. بالفعل لنستيقظ من مناماتنا وأحلامنا.

لكن الأمل بنظري هو الشعوب والشعوب فقط

الشعوب العربية والإسلامية الآن بقسمها الأكبر، رافضة للوضع الجاري، ولكن ليس باليد حيلة، لا تحتاج سوى قائد حقيقي يتفهم شعورها ويكون من أبناء قضيتها، فكم قائد ادعى أنه ابن الوطن إلا أنه ابن العدو وعلاقته بالوطن علاقة غير شرعية.

ما رأيناه من حشود في الشوراع العربية والإسلامية يدلّ على أن اليقظة ما زالت حية عند الكثيرين، رغم ظلم الظالمين وسطوة المعتدين. ما زال هناك أمل في استعادة «قوة الذات» التي تحدثنا عنها، ما زال أمل في أن ننهض لو أردنا، ولعلي أكتب في المقال القادم أهم العوامل وراء نهضتنا في العصر الحالي التي أصبحت أصعب مما يتصور، ولكن بالنهاية لا شيء مستحيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد