كان عبد الوهاب المسيري رحمه الله يقول: “نجلس أنا وزوجتي كل مساء في بلكونتنا مع قهوتنا وننسلخ لحظة عن الزمان”.  هكذا عبر المسيري، عن العلاقة بينه وبين زوجته، الدكتورة هدى حجازي، التي أحبها وتزوجها وعاش معها طيلة حياته. زواج دام لنصف قرن فما نضب الفؤاد من الحب وما شحت حياتهما من الرقة مهما انشغل المسيرى في كتاباته ودراساته ومهما انشغلت هى. “رفيقة الدرب” هكذا كانت له، ولم تكن مجرد جسد يعيش معه في نفس المنزل.

يبلى الجمال ويفنى-هذا مما لا شك فيه- وتبقى الروح خالدة. يتهافت المتزوجون الشباب على الوصول إلى الكمال المادى مُعبرًا عنه في التهافت على إذابة أى سَنتِمِتر من الدهون الزائدة، أو أي شعرة بيضاء في الرأس، أو شراء أثاث البيت، أو مكان أفضل للسكن. كما نرى التهافت على أن يفرض كل من الزوجين رأيه وسطوته على الآخر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. نرى إصرار الزوج على ألا تزيد زوجته كيلوجرامًا واحدًا وإلا استحالت صورتها في مخيلته إلى صورة قبيحة، وإصرار الزوجة أن يكون زوجها كما تريد هى وإلا استحالت صورته في مخيلتها إلى صورة لا تريدها.

إذا لم يكن بين الزوجين تناغم روحي، فلم مشقة العيش معًا؟ وإذا شح الحب بعد أن يشح الجمال، فما الداعي أن نسميه حبًا في المقام الأول؟

ولأن كل جميل هناك الأجمل منه، فإن كل شيء قائم على المادة دون الروح يكون خواءً كبيرًا لا انتهاء له، السبب الرئيسي في فشل معظم تجارب الزواج في أيامنا هذه، أو ذوبان الحب بعد فترة قصيرة وإن لم يتم الانفصال بشكل رسمي.

إن التجانس الفكري، والتناغم الروحي، والصدق الخالص، عناصر أساسية متعالية على كل شيء آخر، وإلا لتركت الزوجة زوجها إذا ألم به مرض عُضال، ولكره الزوج زوجته مع تغير ملامح جسدها مع مرور السنين، وطفق ينظر لغيرها.

كما أن نظرة المجتمع التقليدية للمرأة، كونها الشخص الأمثل للامتثال لللأوامر دون نقاش لهي الطامة الكبرى، وهي من الأسباب التي تشجع الرجل أن يعكف على إيجاد كل سبيل لتقييد الزوجة والدوران حول السبب الرئيسي لهذا التقييد.

لا أدعي إطلاقًا أنني أملك الوصفة السحرية لحياة زوجية سعيدة، لكن قول المسيري ذاك، جعلني أقف وقفة أتأمل فيها ذاك الرجل الذي قد تعدى مرحلة الشباب بأعوام وأعوام، وتعدتها زوجته كذلك، وكان العمر حينها قد بدأ في عده التنازلي بالنسبة لهما، ما زالا يمسكان بخيوط المودة، ويزرعان سنابل الحب في تلك الجلسة البسيطة في بلكونة منزلهما، يعيشان من خلالها تجربة روحية مفارقة للزمان والمكان لا يحاولان أن يسبقاه أو يسبقهما.

إن كنت تسابق الزمان كي ترضى حبيبك، فسيسبقك الزمان وينهكك ولن يرضى حبيبك، وحينها سيسقط التهافت وتسقط حياتك معه. وإن أجبرك حبيبك على أن تسابق الزمان لأجله دون اكتراث لمتاعبك، فاعلم أن خللًا ما قد ألمَّ بتلك العلاقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد