في ذروة افتتان الكثير من شباب المغرب بمحاضرات وفيديوهات وآراء عدنان إبراهيم التي أثارت الجدال والنقاش في صفحات التواصل، انبرى البعض في لحظات انتشاء وإعجاب بأفكار وفصاحة الرجل إلى حد نعته بمجدد القرن الذي جاد جاء ليجدد للناس أمر دينهم ويعيد قراءة التراث الإسلامي، ليضعه بين يدي ملايين معجبيه العقلانيين الباحثين عن الحقيقة.

قدرة عدنان إبراهيم الرهيبة على حفظ النصوص وإعادة سردها في محاضراته وفكره الموسوعي الذي ينساب ويتدفق عبر لسان عربي فصيح يفتن المستمعين إليه، فضلًا عن صوته الرخيم والجميل في تجويد القرآن الكريم، وهو يفتتح محاضراته المثيرة للجدل والصادمة جعلت منه في وقت ما في المغرب، بل وفي العالم العربي أيقونة شامخة في علوم الحديث والفلسفة والفكر الإسلامي.

انتقد عدنان إبراهيم البخاري ومسلم ومصادر الحديث السنية وحث على مراجعتها مستحضرًا ومستدلًا بأمثلة أحاديث القردة الزانية وسجود الشمس وغيرها ودعا في ذروة إعجاب الناس به إلى أن يكونوا عقلانيين لا جهلانيين، وأن ينزعوا القداسة عن علماء ومحدثي السنة خصوصًا، لكن حدة نقده للبخاري وللمصادر السنية لم تقابلها أبدًا نفس الحدة في النبش في الكافي وبحار الأنوار عند الشيعة مثلًا، أثار الجدل وحرك الشكوك حول أهدافه الحقيقية هل هو مجدد أم ناسخ لأفكار وشبهات المستشرقين والشيعة وغيرهم.

بدأت صدمة الشباب المغاربة والعرب ببداية ظهور عدنان إبراهيم على قنوات خليجية، فاختفت صورة وهيئة العالم المفكر الفيلسوف الإسلامي الذي تضامن مع الثورات والشعوب العربية لتحل محلها صورة رجل يطبل بوجه خجول ورأس مطأطئ للأمراء والسلاطين يكيل المديح لأحفاد بني أمية الدين طالما هاجمهم في خطبه وحملهم مسؤولية مآسي ماضي وحاضر الأمة، اكتمل اندحار الرجل بعد أن منع من الظهور على القنوات التي طبل فيها وغنى حتى أنه اعتبر الإمارات واحة لحقوق الإنسان ودولة فيها عدالة ناجزة واعتبر ابن سلمان الرجل الذي سيعيد الإسلام المختطف على حد تعبيره.

في صفحات التواصل المغربية اختفت تقريبًا وتكسرت الأيقونة الزائفة التي كونها شباب مغاربة للمجدد عدنان إبراهيم الذي كان قد ملأ فراغًا معرفيًا رهيبًا عند الكثير منهم، وخلخل اليقينيات الموروثة بل وخلق فتنة حقيقية أوشكت على خلق تيار جديد للعلوميين والعقلانيين المريدين لمشيخة الرجل الذي تكسرت هيبته في بريق الأموال الخليجية.

لا زال الكثير ممن انبهروا سابقًا بالدكتور عدنان إبراهيم يحاولون بشكل يائس التماس الأعذار للرجل الذي فتن العقول، فصدمة سقوطه كانت قوية، ومشروعه الذي عرضه بفصاحته البليغة تفتت في الرمال الخليجية، البعض اعتبر صدمة سقوطه المدوية مرونة ودهاء وقدرة على التكيف مع الأحداث والوقائع، بيد أن السقوط الفاضح لم يترك مطلقًا مجالًا لالتماس الأعذار لرجل انتهى غير مأسوف عليه.

قد يكون في المغرب نقص رهيب لعلماء مغاربة بكاريزما وجاذبية تعوض صدمة سقوط المجدد الزائف، بيد أن كلمة السر تبقى في غياب القدرة على قياس الإعجاب بصدق العلماء ومقدار عطائهم وتضحياتهم لا سيما إن كان الحصار يكاد يكون مطبقًا على أمثال هؤلاء لأنهم لا يهربون إلى الماضي يسلخون بني أمية ويشككون في أمهات الكتب السنية، بل يؤسسون للمستقبل المؤلف الجامع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد