إبان انعقاد معرض الكتاب والذي جمع أغلب دور النشر من الدول العربية، وحين كنت أتجول بين المكتبات التمست كثرة كتب المذكرات فاستشففت أنها أصبحت أشبه بالموضة، ولكن للحقيقة لم يستوقفني منها سوى كتاب واحد فعندما رأيت صورة كاتبه عليه شدني إليه وكاد الفضول أن يفتك بي، فالتقطته يدي أقلب ما فيه وقد اتسعت حدقتا عيني وارتسمت الدهشة على غير مصدق بما أتى عليه وحشا كتابه فيه.

حينما تقرؤه تقول ما هذا الرجل الحنون فعلًا حديثه ذو شجون، يسهب بك بحديث مطول وكتابات تتمنى ألا تقصر، حول حياته بما أفناها وأعماله وما أحبها، وما حظي به من متاعب وما صادفه من مصاعب، وكيف أنه كان يصارع الأهوال كما الغريق في البحار سابحًا ضد التيار، وأن متابعته الحثيثة لمجريات الأحداث في خضم انشغاله الدائم بالمهام وضخم مسؤولياته العظام، السبب الرئيسي في إنجازاته والسبيل إلى كل نجاحاته.

لقد حاول بكتابه أن يخبئ ما كان به من مجون وأن لا يبدي أي جنون وأن لا يهذي بما لدى أغلب الجمهور غير مجهول حتى لا تلاحقه الظنون، محاولًا أن يبتعد عن الطريق القويم وأن لا يتطرق لما يتوجب عليه أن يجيب، حيث كان يفعل ما يستحيي على الملأ أن يصدح فيه ولا يجرؤ أن يصرح ويحكيه مختبئًا خائفًا أن ينكشف ماضيه، مكرس بكتابه أمجاده مصدر لنا محاسنه ومصور أنها امتداد لأفعال أجداده، مبتعد عن حقيقته غير وارد للجانب المظلم منها لا يريد أن نرى إلا ما يريدنا أن نراه وما هو يتباهى به ويعجبه الحديث عنه والخوض فيه، لديه من الهفوات الكبيرة والزلات الخطيرة التي لم يبدِ بعدها أي اعتذارات أخذًا بمقولة ما فات مات، مدرك أنها من الأخطاء التي لا تغتفر ولا يجب على كائن من كان أن  يطلع عليها أو يصل إليها، محاول بشتى الطرق أن يمحوها وإذا وقعت يده على إحداها بسرعة ينفيها، وفي سلة المهملات يتخلص منها ويرميها.

وعندما يجتمع مع مجموعته ولمة صحبته والذين يعتبرهم من كينونته، لا يخفي بجاحته ولا يستحيي أن يفضي ما في جعبته ويفشي ما بسريرته يتحدث ولا نجد أن الذاكرة أبدًا تخونه، إذًا لماذا لم تكرس هذا بكتابك وتذكره بمذكراتك؟

هل تريد التاريخ أن يخلدك وتتوقع بهذا الهراء سيمجدك ولا يهجرك، أم أنك تخشى أن أحد أعدائك والذين كانوا من أندادك ببعض الصفات القبيحة ينعتك، أتريد أن تبقى أمام الجميع عاليًا متعاليًا قويًا عتيدًا كما الحديد وأنت لا تعدو سوى أردأ أنواع الصفيح، تصور لنا أنك ممن لم تأتِ به الأمهات ولم تعتد أن ترضعه المرضعات، وأنت داخلك عكس هذا بكثير يا من جعلت من الحبر والورق تكريسًا لمكانتك وحتى لا تبدي سوءتك ومهانتك لمهنتك، ابتعدت عن ذكر بعض المهام التي كانت موكلة إليك ولا تعير أي اهتمام حتى لا يأتيك منها ملام، وذكرت أنك الهمام المترفع عن زلات الأيام، وأنك من الذين يطيرون فوق الغمام حتى إنه لم يعد يصل إليك الحمام، وغيرك ما هم إلا من البهائم والأنعام التي يشار إليها بالسبابة أما أنت فبالإبهام.

لا نريد منك مذكرات ولكن اعترافات، وحتى لو لم تنشر إلا بعد الممات وإن كان بها الكثير من الهفوات والسيئات، هذا ما سوف تستفيد منه الأجيال القادمة ويذكرونك به عبر الأزمنة، ليأخذوا منك العبرة، ويتفادوا الخطيئة، ولا يقعوا في الرذيلة، ولا يسلكوا الطرق العتيمة، ولا يعانوا الحسرة المهينة؛ ولا يذرفوا الدمعة الحزينة.

إن كتابتك لمذكراتك وأحداثك ما هي إلا تشكيلة لكذبات منمقة لمواضيع مختارة مفصصة، تضع عليها اللمسات الأخيرة من أدوات الزينة لتزين بها مواقفك الخادعة، وفي كثير من الأحيان جاحدة فصل نهائي لحياتك الزائفة، إن كنت لن تذكر ما يهم الناس إذًا لماذا تكتب من الأساس وتقتبس الإحساس؟ إن كنت لن تأتي بالحقيقة إذًا ما لنا بالخيال! يريد أن يبدي أنه الخيال فوق صهوة ذاك الحصان وهو ما هو إلا فارس بني خيبان، بعد أن نزل من صهوة حصانه أخرج علينا لسانه وأفصح ما يخفي من لعانه ولم يتبقَ سوى والعياذ بالله أن يخرج العانة، هذا من كان ذكر اسمه من المهانة ومن يقترب منه يسد أنفه من رائحة النتانة.

يصف نفسه حاملًا لهم الأمة ألا يعلم أنه قلب العمة فأضاع اليمة، كان في منصبه أشبه بالشحاذ ومضرب مثل للفساد، يتلقى العطايا بلا أي حساب ولا ينتفع منه سوى الأصحاب وذوو القربى والأحباب، يورد المواقف على كثر ما يدفع له وكل ما كانت الجزية كبيرة كانت المواقف جليلة عظيمة، ذكريات أليمة تحاول أن تمحوها من ذاكرتنا بخطك مخطوطتك، وكذبك على أمتك وإهانتك لعلمك وعلمك وعملك، ومكانتك التي كنت تفاخر بها كنت نائبًا في مجلس خسره أو جزارًا في مجلس المجزرة أقصد وزيرًا في مجلس الوزراء لا فرق هنا يا من كنت تعتبر الشعب مجموعة من الإمعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد