في قصة مأخوذة عن مقولة للأديب الأمريكي ويليام آرثر وارد: (أن ثلاثة شبان كانوا على ظهر سفينة في وسط البحر، عصفت بهم الرياح، حتى كادت تودي بهم وبمركبهم، الأول متشائم اشتكى من الرياح، والثاني متفائل كثيرا أمِلَ في توقفها، بينما كان ثالثهم واقعي ضبط الشراع على وجهتهم).
العبرة أن الأول لم يرَ الأزمة إلا من منظور التذمر والاستسلام، والثاني لم يرَها إلا من منظور أمل مخادع يخفف عن نفسه وطأة الحال دون فعل، أما الثالث فقد كان منظوره الفعلي للأزمة التفاؤل السليم، برؤيته لأسباب منطقية أو واقعية دفعته للعمل وتغيير الحال.
وقد ذكرنا في الجزء الأول من المقال، أن للتفاؤل دواعٍ وأسباب تبني رؤية مستقبلية منظورة، إلا أنه سلاح ذو حدين، فحين لا تعتمد تلك الرؤية على أسباب منطقية أو واقعية مباشرة يصبح ذلك شعورًا سلبيًا مَرَضيًا، أي تفاؤل كاذب.

إن ظاهرة التفاؤل الكاذب تنتشر في مجتمعاتنا كانتشار النار في الهشيم. يتمثل هذا الانتشار بعدوى اجتماعية تدعى العدوى الهستيرية التي يعرّفها علماء الاجتماع: (بأنها تمثل النقل غير المرغوب فيه لسلوك أو عاطفة أو تأثير بين مجموعة، بوسائل غير معروفة).
فللمجتمع أمراض كما للفرد، كما أن هناك علاقة طردية عكسية تربط بين صحة المجتمع وصحة الفرد، فكل منهما يؤثر بالآخر، بل إن الأمراض الاجتماعية أشد خطورة من الأمراض الصحية، لأن أعراضها غالبة التخفّي بين أفراد المجتمع، فلا تكون واضحة جليّة، فيصعب التشخيص والعلاج.

وقد ذكرت سابقًا أن اليأس مرض اجتماعي كنتيجة حتمية لظاهرة التفاؤل الكاذب، والحقيقة أنه من أشد الأمراض خطورة وفتكا بالمجتمع، فهو قاتل للروح الإنسانية، ومقيد للعقل البشري، وهو سلاح للمستبد ومستودع للفساد، ووارث للذل المجتمعي، وداعم للانهيار الأخلاقي، ويصفه لنا بديع الزمان النورسي بقوله: (هو أصل الأمراض في المجتمع، فهو يقتل الصفات الحميدة ويزرع الصفات الذميمة وينمّيها، يورث حب النفع الخاص ويقود إلى أمراض خمسة، فهو يقود إلى التملص من المسؤولية والخلود للكسل، ويسوق إلى التخلي عن الشهامة الإيمانية وإلى ترك العمل الجاد والاستخلاف، ويمنعه من بلوغ الكمالات).

وكما يقال، إن معرفة الداء جزء من الدواء، لكن قد يصعب علينا توصيف العلاج التام لظاهرة التفاؤل الكاذب أو لمرض اليأس الاجتماعي، لأن ذلك يختلف من مجتمع لآخر، ومن ظرف لآخر، فالفرد الذي يعيش بمجتمع متفكك في حالة حرب بلا سلطة ثابتة، غير الذي يعيش بمجتمع جامد بحالة سلم لكن بسلطة مستبدة، فاختلاف الظرف وحالة المجتمع، يلعبان دورا كبيرا في تحديد الآليات والأطر العلاجية لهذا أو ذاك، لكن بشكل عام، يبقى هناك إطار نفسي علاجي عام، يساهم بشكل كبير في الحد من انتشار التفاؤل الكاذب واليأس الاجتماعي، فما لا يدرك كله لا يترك جلّه.

يُسأل عن العلاج بمحددين اثنين، (من وكيف)، فمن تفيد عن الفاعل الممكن، وكيف تفيد عن الطريقة الممكنة، فإذا كانت السلطة أو الحكومة فاعلًا ممكنًا، كان العلاج يسيرًا، وكان القضاء على أسباب ومسببات انتشار الظاهرة سهلًا، فمن واجباتها بناء نظم حماية اجتماعية تستجيب للأزمات، وتدعم سياسات اجتماعية وقائية لمعالجة الضعف، فالأزمات بحاجة إلى قرارات واضحة وصريحة، وتحليلات وتفاسير واقعية، وخطط وحلول ممكنة، فتنشر الطمأنينة بذلك وتحفز الفرد على أن يكون فاعلًا إيجابيًّا بتفاؤل حقيقي صادق، للخروج من أزمته. وإذا تعذر فعل السلطة والحكومة، سارعت الهيئات المدنية والاجتماعية في نشر الوعي والمعرفة بالأزمة، لانتشال الفرد من فخ التفاؤل الكاذب، وتعزيز إدراكه بالواقع الفعلي، وذلك بكشف الحقائق وإبطال الزور، وشرح الواقع والممكنات المساهمة في حل أزمته، ولا شك أن للشخصيات العامة والبارزة في المجتمع دورًا وأثرًا كبيرًا في هذا.

من هنا نعلم أن مسببات الظاهرة، هي نفسها المعالجات، وأن أصل الدواء هو نفسه أصل الداء. أي أن علاج اليأس هو نفسه علاج التفاؤل الكاذب. إلا أن هذا يبقى ناقصًا، ما لم يتمم، بصدق العمل، وإصلاح الخطأ، وتقديم العام على الخاص. ويكفي لليائس علاجًا بعد الأخذ بالأسباب، قوله سبحانه وتعالى: (لا تقنطوا من رحمة الله) الزمر 53.

والحق أن أهم فاعل للعلاج هو الفرد المصاب نفسه، في اعتداله بمواقفه ومشاعره، وسعيه لإدراك وفهم الواقع من حوله بالطرق الصحيحة، وإعداده لخدمة مجتمعه، بمواكبة حاضره واستعداده لمواجهة مستقبله. وكما يقول مالك بن نبي: «إن السير في معالجة حالة ما، يقتضي دراسة مرضية وأخرى علاجية، فإذا كانت الدراسة الأولى سهلة التحديد فإن من الصعب تحديد الأخرى، لأن السير في العلاج يتوقف نحاجه على المريض نفسه».

حقيقة لا أرى التفاؤل مجرد شعور، بل إن التفاؤل السليم صنعة لا بد من إتقانها. تشحن الناس بالأمل وتخفف عنهم الألم، تحفزهم للعمل، وتجعلهم خير مَثَل، ولا أرى في التشاؤم إلا أنه محطة أولى لإدراك ضرورة التغيير، ولا يمكن تجاوزها، إلا بالتفاؤل بإمكانية حدوث هذا التغيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد