إن الحياة الاجتماعية تقوم على التفاعل الإنساني بين الأفراد كجماعات وفئات، ترتبط فيما بينها بخصائص نفسية، وأنماط سلوكية، تتمثل في النشاط الاجتماعي، التي بدونها يفقد هذا النشاط فعَّاليته.
إلا أن ظرفًا واحدًا قد يخلق للمجتمع ظواهر سلبية جديدة وأزمات وأمراض اجتماعية عديدة. تفكك أركانه وتجعله مجتمعًا متقهقرًا أو جامدًا. وهذا بدوره يخلق أمام الفرد استحالة لا يستطيع التغلب عليها؛ فيستسلم للواقع.
ومن الطبيعي أن تبدأ فعَّاليات مدنية وسياسية، أو سلطة حاكمة، بأعمال ومساهمات، تسعى في مواجهة المشكلة الطارئة أو لحل الأزمة المفاجئة، ضمن أطر نفسية تساهم في تخليص الفرد والمجتمع من مشاعر سلبية اكتسبها من محيط أزمته، فيُزرع الأمل به، ويُحفز بفاعل إيجابي ينقذه والمجتمع من تبعات غير محمودة. إلا أن هذا الحال في غالب البلدان العربية مفقود، بل وينذرنا من ظاهرة اجتماعية سلبية تفشَّت فينا، يخلفها أمراض اجتماعية خطيرة، تُضعِف المجتمع وتدني حالته.

اعتدنا في حياتنا اليومية، على إظهار مشاعرنا الحقيقية إزاء شيءٍ ما، بالتفاؤل أو التشاؤم، بمعانيهما البسيطة المعروفة. لكن كما لكل قاعدة شواذٍ، ولكل فعل إفراط وتفريط، كان للتفاؤل شذوذه عن كونه شعور طبيعي، فيتمثل كشعور سلبي خطر، وكأداة نفسية تضليلية، تحت مسمى (التفاؤل الكاذب).

فالتفاؤل السليم أداة نفسية ومنهجية يستعان بها للتحفيز الإيجابي. وللتفاؤل دواعٍ وأسباب تبني رؤية مستقبلية منظورة، إلا أنه سلاح ذو حدين. فحين لا تعتمد تلك الرؤية على أسباب منطقية أو واقعية مباشرة يصبح ذلك شعورًا سلبيًّا مَرَضيًّا.

إن التفاؤل الكاذب كظاهرة اجتماعية، يصعب تشخيصها أو إحصاؤها بين أفراد المجتمع، لسرعة انتشارها وتطورها لمرض اجتماعي (اليأس) كنتيجة حتمية لها، إلا أنه من الممكن تعريفها بمنظورين:
من منظور الفرد، كشعور خداع ذاتي، للهروب من الإحباط ورفض الواقع المحيط، فيعيش الفرد مع توقعات غير عقلانية، ويحكم على الذات بالقصور.

ومن منظور الفعَّاليات المدنية والسياسية (كهيئات وأحزاب وسلطات)، حيث يشاع التفاؤل الكاذب بين الناس، كسياسة خداع تضليلية، بتعابير وتحاليل غير واقعية أو جزئية منقوصة، تعتمد على التحفيز غير مشروع والأمل الزائف، فتتأسس على تفاعلات الخطاب والقرار الموجه، كما ترتبط بمواقف القادة والسياسيين الفردية والجماعية.

إن الأزمات تخلق في المجتمع كثيرًا من التخبطات ومحيطًا من الإحباط والآثار السلبية النفسية لدى كثير من الأفراد، مما يضطرهم للهروب من هذا الواقع، لواقع وهمي مجمَّل، مليء بالدجل والخداع والتحليلات غير المنطقية، فيقعون في فخ التفاؤل الكاذب، دون إدراك ذهني ومعرفي كافٍ، الذي بدوره يجعلهم يعيشون مع توقعات غير عقلانية، فإذا ما صُدموا بالواقع والحقيقة، أصابهم اليأس وشعروا بالعجز التام، فتحتم على ذلك فقدان الثقة والسلام الداخلي.

ومما يلاحظ أن الحكومات الدكتاتورية العربية، هي أول عرَّاب لهذه السياسة القذرة، فاستغلال الأزمات وتسيسها لمصالحهم الخاصة وبقاء حكمهم، أولى من حلها وإصلاحها، لكنهم لا يبخلون على شعوبهم بخطابات وشعارات ساحرة للألباب وموقظة للأفئدة ودافعة للحماسة، حتى يظن أن القدس ستُحرَّر، بالإضافة إلى حزمة قوانين إصلاحية مثالية، يفاخر بها أمام القوانين العالمية أنها مقروءة ومسموعة للشعب لكن لا محل لها من الإعراب والفعل، هذه هي وسيلتهم المفضلة في تخدير الشعوب، ببث تفاؤل كاذب بينهم، حتى يبلغ اليأس محله ويخضع كل شيء لسلطانهم.

لا يقتصر الأمر على الأنظمة والحكام، فبعض الأحزاب السياسية والهيئات الاجتماعية والمدنية، يحذون حذوهم، فيستخدمون نشر التفاؤل الكاذب كأداة لمواجهة أزماتهم الخاصة أمام المجتمع، عن طريق التعبير بلغة الأمل الزائف والصبر الوهمي، والميل إلى تزييف الحقائق بتصورات سطحية وجزئية، واستمالة الجمهور وتمويه الآخر بأخبار ووعود كاذبة، والتدليس والتضليل في تجريد الحقيقة من قوتها البرهانية والمنطقية، كما أن للمنصات الإعلامية حظ وافر من هذا، فهي أفضل وسيلة لنشر التفاؤل الكاذب. كل هذا بهدف إخفاء إخفاقات سياساتهم وضمان استمرارية بقائهم، والتأكيد على صلاحية منظومة أفكارهم، وفي ذلك أيضًا تبرير أعمالهم وعلاقاتهم غير المشروعة، وحفظ مواقفهم المستندة لأجندات خارجية، أو حفظ نفوذ أو شعبية جماهرية معينة…إلخ.

قد كان هذا على صعيد الجماعات والسلطة، أما على صعيد الأفراد البارزين في المجتمع، من علماء ومفكرين ومحللين سياسيين وغيرهم، فلهم دور بارز أيضًا في إشاعة التفاؤل الكاذب بين الناس، إما عن قصد أو دون قصد، وهم أنواع: منهم مَن يدعي أداء العمل السياسي والاجتماعي، دون أن يرجع في عمله إلى قاعدة أو فكرة معينة، فيغرر بالشباب ويهوي بهم في حقل التفاؤل الكاذب. ومنهم المقاول الماهر في الدجل السياسي والعلمي، يعتلي المسرح وفق مصالحه الشخصية دون العامة، فيضلل العقول عن الحقيقة، ويبيعها الأوهام. ومنهم صاحب فكر وعلم، يزيِّن العقول والأحلام بأفكار غير قابلة للتطبيق على الواقع، ولا حتى المشاركة في نشاط اجتماعي بسيط، فتسبح العقول في سراب.

وقد اختصر عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو نتائج التفاؤل الكاذب محذِّرًا بقوله: «إن التفاؤل الكاذب، عاجلًا أو آجلًا، يعني خيبة الأمل والغضب واليأس».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد