تحمّلت قبل أيام وبكلّ أسف، عناء التّخلي النهائي عن صداقة لطالما تجاوزت مشاكلها للحفاظ على استمراريتها الإنسانية. والسّبب وإن كان يبدو تافهًا فإن تكراره بات يجعل التحاور غير ممكن. صديقي ليس مستفيدًا من أي منصب أو عمل مهمّ بالوطن، بل تغزو العَطالة واقعه بشكل شبه مستمر. كرّس نفسه للمشاركة في مختلف أنشطة المجتمع المدني خصوصًا تلك التي تنظمها جمعيات خارج الوطن من قبيل مراقبة الانتخابات وفكّ العزلة عن المناطق النائية، أحبّ ذلك وحرص على التواجد في كل مكان ونصب نفسه سفيرًا للوطن يحمل رايته أينما حل وارتحل.

المشكلة مع صديقي هذا هي رؤيتنا المختلفة تمامًا للواجب في التعامل مع واقع وطننا. ففي الوقت الذي أرى فيه الوطن عَلِيل الحال، المُنطَلقُ للحلم بتغييره هو أولًا الخروج من وهم أنه أروع بلدان الأرض والإيمان الصّادق أننا في طريق بناء أول لبنات التنمية لا غير. كما أوقن بواجب الصّدق مع الذات في نقد الطالح والتثمين بالصالح وإن ندر. أما هو فيرى أن أي نقد لواقع الحال هو مساس بالوطن وتشويه لسمعته خصوصًا إن حصل في حضور من لا ينتمون إليه، متناسيًا أن العالم بات منفتحًا على كل مكوناته، فهو يؤمن أن المشاركة في أي نشاط دولي الهدف منها تلميع صورة الوطن، فهكذا نكون سفراء له حتى وإن كنّا أول ضحايا حاله، بل وامتدّ موقفه هذا ليشمل حتّى حواراتنا العادية في مقاهي الوطن نفسه، التي صارت منبرًا لجلده كلّ الجاحدين العدميين الذين يعرقلون مسيرة تنميتنا بمطالبهم المبالغ فيها وأصواتهم المغرّدة خارج السّرب والذين تقف خلفهم طبعًا جهات خارجية تحسدنا عما نحن فيه من نعم.

هذا التفاوت الكبير في وجهات النظر بدأ يجعل التعايش بيننا غير ممكن، فالحوار حول مشاكل الوطن صار يتحول إلى جلسات تخوين قاسية الأفضل لها أن تنتهي قبل أن تفسد للود قضية.

من بين السياسات الخطيرة المعتمدة في الكثير من الدول، دمج المفاهيم وخلطها بعناية حتى تضيع حقائقها. وأهم تجلّيات هذا التوجه الخطير، سياسة فرض وحدة الوطن بالنظام في التصور العام، فيتحول بذلك النقد الموجّه لأداء المؤسّسات إلى خيانة للوطن، وتصبح المطالبة بالحقّ محاولة لزعزعة استقراره، ويصير الإعلام العمومي مجرّد إعلام رسمي يدفع تمويله المواطن ليجعله يحيا في وهم الرخاء الذي لا تعكسه حقيقة واقعه، وتغدو المزايدة في الوطنية أول سلاح لردع كل حراك مطالبه سياسية أو حتى اجتماعية.

أولئك الذين يعيشون وهم استمرارية قدرة التعتيم على إخفاء الواقع يتعامون عن سيادة العولمة المعلوماتية. وهم تمامًا ككل الحكومات التي تتذيل كل مؤشرات التنمية العالمية فتتهمها بالحيف والخطأ في صياغة تقديراتها. العالم بات قرية مكشوفة لكل ساكنتها، الجميع فيه يرى بجلاء مواطن الخلل ومشاهد النجاح في كل مكان يريد. وحتى من لا يزالون يبدعون في صناعة الصورة دون إنجاز حقيقي فهم إنما يؤخرون فقط ظهور الحقائق واقعًا.

الوطن أكبر بكثير من صيغة الحكم، ومحبته لذاته توجب انتقاد كل ما يهدد سلامته ويعرقل رقيه ويعكر صفو علاقته بأبنائه، بل تجعل ذلك أساس ممارسة الوطنية نفسها. أما منطق زينة البيوت الخارجية التي تخفي خراب الداخل فقد بات بالقطع متجاوزًا، ومريدو فلسفته جزء من المسؤولين عن كل ما نعيشه من تخلف، وهم على عكس الصامتين ضالعون في الدفاع عن الإثم ومتحملون لوزره.

من يكيلون الإهانة للوطن هم من يصرون على ممارسة الحكم بما لا يضمن للشعوب التي هي صلب الأوطان وأهم أركانها على الإطلاق، والمشكوك في صدق وطنيتهم هم من يرتضون العيش في مناصب لا توافق مؤهلاتهم ولا يحمل وجودهم فيها أي نتائج تقود الأوطان للأمام. فالعمل الصادق وحده يبني بلدانًا قوية قادرة على فرض مكانتها بين الأمم وهو بذلك يرسم تلقائيًا الصورة الحسنة لها، فالإنتاج الملموس هو خير سفير لكل وطن يحترم نفسه. الأوطان باقية وحبها في القلوب غريزي، أما الأنظمة فإن لم ترقَ لخدمة رقي الوطن فهي تزول وسلطتها تتداول في أي مكان. وفيما يتعلق بصدق المحبة، فإن أمًا عليلة على فراش مرضها الشديد، أحد أبنائها مسببه، وآخر لشدة تعلقها به يبكي جنبها ويُسمع نحيبه، وثالث همه فقط أن يخبر الجيران أنها في أحسن صحة بفضل مساعدة الأول وأنها فقط حزينة من ابنها الثاني، فأين يكمن الحبّ الصّادق يا ترى؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد