بالنظر إلى التطور الإنساني من البداية حتى هذه اللحظة، كيف يعقل أن مخلوقًا نزل لهذه الأرض دون ملابس، وكذلك الإنسان البدائي الذي كان يحتمي بأوراق الأشجار أو جلد الحيوانات أن يفرض عليه لباس فيما بعد يؤكد إيمانه بربه؟

الإنسان البدائي هو الإنسان الذي عاش في بداية عملية النشوء والارتقاء، ومثله إنسان القبائل البدائية، الذي يعده التطوريون أقرب إلى الإنسان الأول في عصوره الحجرية.

ومن هذا التعريف الرائع المأخوذ من الكتاب الأول من موسوعة تاريخ الأديان للباحث الكبير فراس السواح عن الشعوب البدائية والعصر الحجري، نرى أن الإنسان الحديث ليس هو الإنسان البدائي، هنالك فرق كبير بين الاثنين، وبالخصوص من الناحية الفكرية، الإنسان مر عبر مراحل متتالية في أزمنة مختلفة، وفي كل مرحلة جديدة نرى إضافات، إضافات بنيت على ما سبقها من مراحل ماضية، وأخرى قامت بالتصحيح أو التغيير أو التجديد مع العصر الذي تواكبه، لكن ما يجب معرفته أن كل هذه التطورات المتتالية لم تظهر فجأة ولم تأتِ وحدها، أتت مع الإنسان وهو من اختلقها بشكل متتالي من شخص لشخص، أفكار قديمة تضاف إليها أفكار جديدة تدعمها، وأخرى تنتقدها، وأخرى موفقة بين الطرفين، في جميع المجالات التي نعرفها اليوم هناك إضافة، لمسة مضافة من يد أحدهم، في القوانين هنالك تجديد، في الابتكار والاختراع، في كل الأشياء التي اختلقها الإنسان، وهذا ما يجب أن نعرفه، أن الحياة الإنسانية متجددة، فالعقل البشري يمتلك قوة جبارة، وبالفكر نمت القوة الإنسانية من جيل لجيل من خلال الاختلاف الفكري وإضافته، لكن بما أن هذه الأفكار متجددة وقابلة للتغيير، إذًا علينا وضعها في ميزان العقل، لنرى هل هي صحيحة وقابلة للتصديق قبل التطبيق؟ فليس كل شيء حقيقيًّا. هنالك أشياء تحتاج إلى إعادة البناء الفكري، لأن المنطلق الذي أخذت منه غير قابل للتوافق مع العصر الحديث، مجرد بناء هش يضاف إليه مزيد من الأفكار الهشة ليصبح فيما بعد حقيقة مطلقة، والأسوأ أنها تنسب للدين، وذلك واضح، فاللجوء للدين سهل، لكن هل يخدم ذلك المنطق أم المصلحة؟ الدين مقدس وبالتالي فنسبة شيء خفي وحديث الظهور إلى الدين ليس إلا اختباء وراءه، لأن الإنسان البسيط يأخذ الأمور الدينية بقدسية مطلقة لا يستدعي فيها العقل، وأغلب الناس بسطاء، وما أقسى أن تأخذ وتبلع في الأمور دون هضمها، غير أن الله سبحانه لم يمنع الإنسان من التفكير وهذا متفق عليه، وبالتالي علينا أن نفكر مليًّا لأن يومًا ما سيسقط علينا البناء الذي بنيناه من خلال أفكار متراكمة هشة لا منطقية.

الحجاب يعني الستار أو الساتر أو العازل، أو شيء يفصل بين شخص عن جماعة أو فرد أو العكس، أو…أو…، وفي الإسلام يقصد به لباس المرأة من جهة، لباس أصبح الآن يوجه لألوان محددة أيضًا وبخياطة محددة، والتي ستدخل في إطار الفريضة مستقبلًا إن لم تكن قد دخلت، وكي لا ندخل في تفاصيل شكله، سنكتفي بغايته التي تتمثل في وجوب ارتدائه لدى النساء لأنه فريضة من الشريعة الإسلامية.

وهناك إجماع من علماء الدين على وجوبه، وهناك اختلاف أيضًا، يختلفون في شكله وهيئته، كل منهم يرى بطريقته كيف على المرأة أن ترتديه، بهذا التدقيق، وما يجب عليها أن تغطي، يختلفون في كيفية ارتدائه، وتوجد دول تفرضه على نسائها مثل السعودية وإيران وغيرهم، وأخرى ترفضه في مؤسساتها العامة وجامعاتها، وفي مؤسساتها الحكومية مثل فرنسا وغيرها.

وكل علماء الدين متفقون على وجوبه فريضة بدليل من الآية الأولى التي نزلت بشأنه، الآية 53 من سورة الأحزاب، وتسمى بآية الحجاب. ورغم ذلك وقع عليها اختلاف بل اختلافات من كلا الطرفين المؤيدة والمعارضة، الكل يفسر بشكل مع إعطاء أدلة، لكن هل أخذت تلك الآية بشكل عقلاني من كلا الطرفين؟ هل أخذت بعين الاعتبار الفترة الزمنية والسبب؟

أما في الجانب الآخر توجد أيضًا آيات قرآنية كثيرة في القرآن ذكر فيها الحجاب بمعانٍ مختلفة لم يرد فيها لباس المرأة أو وجوبه عليها فريضة، مثل (سورة مريم 53، وسورة فصلت 5، وسورة الأعراف 46…) آيات كثيرة ذكر فيها الحجاب، لكن بمعنى غير المعنى الذي فسرت به الآية 53 في سورة الأحزاب، وهنالك تفاسير عقلانية كثيرة تفسر هذه الآية بمنطقية ولا عليَّ هنا إلا أن أقول لك ابحث عن هذه التفاسير من خلال المراجع وفي الإنترنت، وقبل ذلك اطرحها على ميزان عقلك وفسرها.

من خلال هذه المقالة المبسطة، هذه الكلمات القليلة الهادفة ربما، مقالة بسيطة ليست بقيمة القضية لكونها كبيرة وتحتاج كتابًا وحدها، لكن منطقيًّا بالنظر إلى كل هذا الجدل والكتب المنشورة من معارضين ومؤيدين ومفسرين من كلا الطرفين. على ماذا هذا؟ على لباس، من سيرتديه؟ المرأة.

أليست المرأة إنسانة عاقلة، هل أمسى التطور في طريق الانحطاط حتى أصبح البعض يفرض عليها تغطية وجهها والآخر لا، والآخر يسمح لها بإظهار يديها والآخر لا. اختلافات كثيرة ونزاعات من أجل كيفية ارتدائها للباس، ومن أجل ماذا هذا الغطاء؟ أليست في عصرنا هذا ألبسة محترمة وترتديها النساء؟ أليست في عصرنا ألبسة سيئة أيضًا وترتديها النساء؟ إن الفكرة هي فكرة نشأة وتربية، وفكرة عقل متحرر وآخر متحجر، وتوجد مقولة شهيرة والتي تقول إن الضغط يولد الانفجار.

بما أن المرأة تمتلك العقل فمن حقها كإنسانة مثلها مثل الجنس الآخر الذي يفرض عليها قيوده دون احترام لكينونتها، أن تقرر مصيرها وحدها، هي أدرى بحياتها، ولا أحد يملك الحق في امتلاكها وأمرها بما يجب أن تفعل، لأننا في زمن متحرر، فعصر العبودية ولى وانقضى، وعندما نتحدث عن المرأة فنحن نتحدث عن شريك حياة ولا أقصد الزوجة، وإنما الانثى بشكل عام وجوهري، وبالتالي إملاء ما يجب فعله أو لا، ذلك يخص الأطفال الصغار الذي لا يمتلكون بعد القدرة على خوض الحياة، أما اللباس فهو عادي لا للمرأة ولا للرجل، اللباس نعلم جميعًا منفعته، لكن اعتقاداتنا وأدياننا المختلفة وأفكارنا هي التي تصنع الفارق، ولنرى بأعيننا في أي من الدول يوجد التحرش بكثرة؟ أي الدول التي تبتلع حقوق المرأة؟ أين تعيش المرأة حياة العبودية؟

ولهذا أقول إن الحرية ليست حرية لباس أو حرية أفعال، وإنما حرية فكر، فإن أعطينا لهذه المرأة حقوقها، ستفكر بحرية وتقرأ وتتعلم وستصبح إنسانة قادرة على التمييز وقادرة على معرفة واجباتها، التمييز لما يناسب انتماءها وبه وجوب ما عليها ارتداؤه أو اعتناقه أو فعله بشكل عام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد